الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :أين نحن على خارطة الاحتــرار العــــــالمي وظاهرة الاحتباس الحراري؟
الجهة المعنية :كلية الهندسة
المصدر : جريدة الوطن
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/12/1430
نص الخبر :

أكاديمي متخصص في الهندسة البيئية- أستاذ مشارك في جامعة الملك عبدالعزيز (قسم العلوم البيئية)- رئيس الجمعية السعودية لعلوم البيئية

أسعد بن سراج أبورزيزة

ينتهي في عام 2012 العمل ببروتوكول كيوتو للتصدي لظاهرة الاحترار العالمي. ولإبقاء أزمة الاحتباس الحراري والتصدي لها على قائمة أولويات دول العالم، يسعى مؤتمر كوبنهاجن لإعادة صياغة البروتوكول القديم والاتفاق على برنامج جديد يضمن استمرارية الحرب التي يخوضها العالم ضد ما صوروه عدو الكوكب والإنسانية المشترك، «ظاهرة الاحترار العالمي». وبدأ المؤتمر أعماله في السابع من الشهر الجاري في كوبنهاجن، ويختتم أعماله بعد غد الجمعة وشارك فيه أكثر من 100 رئيس دولة، وممثلون من 192 دولة، إلى جانب منظمات غير حكومية وعلماء ومهتمون بشؤون البيئة.
يعتقد علماء الفلك والمناخ أن متوسط درجة حرارة الغلاف الجوي لكوكبنا في ارتفاع متواصل، وأن تركيز ثاني أكسيد الكربون، وهو واحد من أقوى مسببات الانحباس الحراري في الغلاف الجوي، في زيادة مستمرة. ويعتقدون أن أجزاء كبيرة من يابسة الكرة الأرضية ستدمر وتختفي من خارطة العالم، وأن أعاصير وعواصف وفيضانات عاتية ستضرب مناطق مختلفة في العالم. فأين تقع المملكة العربية السعودية في هذه الصورة الكبيرة، وعلى جغرافيا التغيرات المناخية الآتية؟ وكيف يمكن لنا أن نؤثر في ظاهرة الاحترار العالمي، وكيف سنتأثر بها وبتبعاتها في المملكة؟.
نتداخل في المملكة العربية السعودية مع ظاهرة الاحترار العالمي والتغير المناخي على ثلاثة محاور؛ الأول، كفرد ومجتمع ينتج عن أنشطته واحتياجاته اليومية كمية من الغازات الدفيئة، ويساهم في زيادة تركيزها في الغلاف الجوي وارتفاع درجة حرارته. والثاني؛ كاقتصاد يتأثر بإجراءات الحد من الانبعاثات والتخفيف من حدة الظاهرة. والثالث، حصتنا من آثار الظاهرة ودورنا ومساهمتنا في محاربتها.
فنصيب الفرد السعودي واحد من أعلى معدلات إنتاج الغازات الدفيئة، ولا تسبقه في هذا السياق سوى دول لا تعد على إصبع يد واحدة. والسبب الرئيس هو أننا في المملكة العربية السعودية نعتمد كليا على النفط في إنتاج الطاقة، وفي تحلية مياه البحر، ونستهلك كميات كبيرة من الوقود لذلك، وتنفث هذه معدلات عالية من ثاني أكسيد الكربون.
لا يمكن نكران ارتفاع متوسط إنتاج الفرد من انبعاث الغازات الدفيئة في المملكة. لكن هل تمت مراعاة ظروف المنطقة المناخية وطبيعتها البيئية في حسابات الملامة؟ نحن لا نمتلك أنهارا تجري من تحتنا ونشرب منها، ولا توجد في بلادنا شلالات مياه، تسقط من فوقنا، وتزودنا بالطاقة دون أن ينبعث منها جزيئا واحدا من ثاني أكسيد الكربون. ولا نمتلك التقنية النووية، وربما لا نريدها في بلادنا بينما نعتمد في وقودها على غيرنا ليتلاعب بمصالحنا. نحن لنا حقوق في العيش على هذا الكوكب، تماما كما لغيرنا هذه الحقوق، ومن حقوقنا أن نحيا حياة كريمة كالتي يعيشها الآخرون.
ليس من العدل ولا من الإنصاف أن يُساوى، في هذا السياق، بين الفرد في المملكة العربية السعودية في ظروفه الصحراوية القاسية ودرجات الحرارة المرتفعة والجفاف، بالفرد في كندا أو الإكوادور، الغنية بموارد المياه. لتحقيق العدل، لا بد أن تؤخذ في الحسبان الظروف الجغرافية والمناخية ولا بد من معامل تصحيح ليكون جزءا في معادلة الحسابات. وعلى صعيد آخر تشير بعض الدراسات إلى أن المملكة في موقع من أقل المناطق تأثرا بظاهرة التغيرات المناخية.
ففي دراسة أعدها مركز هادلي البريطاني للأرصاد ودراسات المناخ عن تأثير الاحترار العالمي على مجمل خارطة العالم، وجد أن هذه التأثيرات تختلف في نوعيتها وشدتها من مكان إلى آخر، ولن تأتي متساوية في التوزيع الجغرافي، وليست شمولية. فبينما، مثلا، يرتفع متوسط درجة حرارة الجو في القطبين بـأكثر من 18 درجة مئوية، لا يتجاوز ارتفاعه في معظم مياه المحيطات في العالم، من غير القطبين، الدرجتين أو الثلاث درجات مئوية. وأعد المركز كذلك خرائط لتبعات الظاهرة، تعكس التصورات المستقبلية للمشهد العام، فيما لو جاوز ارتفاع متوسط درجة حرارة الغلاف الجوي 4 درجات مئوية. ويمكن الدخول إلى الموقع عبر الرابط التالي:
"http://www.actoncopenhagen.decc.gov.uk/en/ambition/evidence/4-degrees-map."
"
وتبنت هذه الدراسة تسع مؤشرات لقياس التأثير السلبي لظاهرة الاحترار العالمي على كوكبنا؛ منها ارتفاع درجة الحرارة، ووفرة المياه، والجفاف، وحرائق الغابات، ومظاهر التطرف المناخي، والصحة العامة، والعواصف، وارتفاع منسوب مياه المحيطات، ومستوى تضرر الحياة البحرية. وتتوقع الدراسة، كما هو مبين على الخرائط، أن يرتفع متوسط درجة الحرارة على معظم مناطق المملكة 6 درجات مئوية. ونستعرض في ما يلي بعضا من تبعات الظاهرة وانعكاساتها على المملكة العربية السعودية، كما تقرره نتائج هذه الدراسة:

ظاهرة الجفاف
أولاً: ظاهرة الجفاف أو مزيد من الفيضانات؛ يعتقد علماء المناخ أنه بينما ستواجه، كثير من دول العالم القحط وقلة الأمطار لفترات طويلة، وتعاني من الجفاف وندرة المياه، ستبتلى دول أخرى بزيادة كبيرة في معدل سقوط الأمطار، وما ينتج عن ذلك من كوارث الفيضانات. أما المملكة، والتي هي أصلا من مناطق العالم الأكثر جفافا، فلن تتأثر كثيرا، ولن تشهد نموا كبيرا في معدل سقوط الأمطار، كما تقرره نتائج الدراسة، ولن تتعرض لحوادث الفيضانات بسبب الظاهرة.
ثانياً: تناقص معدل سقوط الجليد والثلوج؛ ويعني أن المجتمعات التي تعتمد حاليا على ذوبان الثلوج الساقطة في موسم الشتاء في تغذيتها بالمياه أثناء الربيع والصيف، ستعاني من قلة المتاح من هذه المياه للاستهلاك الآدمي وأنشطة الإنسان. وتقدر هيئة الأمم المتحدة بأن سدس سكان العالم يعتمد حاليا على ذوبان مياه الجليد في إمداده بالمياه. وفي المملكة لا يسقط الجليد إلا نادرا في شمال المملكة، ولا نعتمد بأي حال، على ما قد يسقط أحيانا في إمدادنا بالمياه. ولن تتسبب الظاهرة في سقوط الجليد علينا.
ثالثا: زيادة معدل ظواهر التطرف المناخي؛ هناك من يعتقد أن كثيرا من دول العالم ستواجه تغيرات مناخية متطرفة, وستضرب الأعاصير والتسونامي والزلازل بوتيرة عالية لم نشهدها من قبل. ووضع التقرير المملكة ضمن المناطق التي لا تصيبها هذه الكوارث نتيجة للاحتباس الحراري.
رابعاً: ارتفاع منسوب مياه البحر؛ وتهديد المدن الساحلية والأراضي المنخفضة بالغرق والزوال تماما من خارطة اليابسة في العالم.
المياه والمملكة
ولأن المملكة لا تحدها مسطحات مائية كبيرة مثل المحيطات، فإنها لن تتأثر مباشرة وبشكل كبير بارتفاع منسوب مياه المحيطات.
هذا ما يعتقد علماء المناخ أنه آت بشكل كوني، لو استمرت درجة حرارة الغلاف الجوي في الارتفاع، واستمر الجنس البشري في ضخ مزيد من الغازات الدفيئة، وهذه الآثار البيئية التي قد تتعرض لها المملكة. أما من الناحية الاقتصادية، فالإجراءات مجحفة في حقنا، وأهدافها غامضة. فوضع ضرائب ومكوس عالية على استعمال الوقود الأحفوري يضعف من قدرته التنافسية أمام الأنواع الأخرى من الوقود، ويعتقد الكثير أن هذا واحدا من الأهداف الواضحة وغير المعلنة. لا فرصة لأي نوع من أنواع الوقود مع وجود النفط بهذه الأسعار المغرية. ونحن إذ نسمعهم يصرحون برغبتهم في الانعتاق من أسر أوبك أو الدول العربية كما يدعون، فمن السهل أن نجد الروابط القوية بين الهدف والإجراءات.
رأس المال جبان، أو هذا ما يردده الاقتصاديون. جرب الغرب كل السبل، وفشل لعقود في جر المؤسسات الرأسمالية إلى المشاريع التجارية في إنتاج الطاقة البديلة، ولم تتمكن من منافسة النفط.
النفط
واليوم لم يبق إلا الكي علاجا لوباء الاعتماد على نفط الخليج وأوبك. نحن مقرون بالظاهرة، ومن واجبنا المساهمة في محاربة الاحتباس الحراري، لكن بالعدل. وهناك من العلماء من يرى أن هذه دورة للمناخ طبيعية، وسنة كونية، لا شأن للإنسان في إطلاقها. نعم يعتقدون أنه قد يعجل في ظهورها ويسارع في وتيرة حدوثها ما يمارسه البشر من مخالفات بحق الكوكب وبما ينفثونه من الغازات الدفيئة، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون، لكن ليسوا من أسسها. ويعتقد بعض هؤلاء أن زحف الكارثة متواصل، ولن يوقفه شيء، وأكثر ما يمكن فعله هو إعاقة الظاهرة وتأخير وصول الكارثة العامة، ويشيرون إلى التاريخ الجيولوجي، وهو مليء بهذه الأحداث وشاهد عليها.
وهناك من يعتقد أنه تم تسييس هذه الظاهرة، وتوظيف التغيرات المناخية الحادة التي شهدتها مناطق متفرقة من العالم في الأعوام السابقة لأهداف اقتصادية بحتة. حرضوا وسائل الإعلام وبثوا الرعب في قلوب الناس والدول، وقادوهم إلى طاولة المفاوضات، طوعا أو كرها، ليشرعوا لظلمهم.خذ مثلا، برنامج مقايضة الكربون والاتجار به في إجراءات الحد من انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون. هذا البرنامج يبيح لمن يدفع الثمن أن يلوث البيئة كما يشتهي ومتى شاء، «بيزنس كالمعتاد» – كله خداع، وتشبه برامج القراصنة الذين يتصيدون الضعاف في الظلمات، في وسط المحيط.هذه المقاربة، في جوهرها خاطئة ولا تخدم الموضوع البيئي بشيء. فقط تمكن من يمتلكون المال ودفع التكاليف من الاتجار بحصص انبعاث الكربون، وبيع وشراء التراخيص. وإباحة ضخ مزيد من التلوث إلى الغلاف الجوي. بهذا إنما تُمنح لهؤلاء الإجازات بتلويث البيئة، والتعدي على حقوق الآخرين. في واقع الأمر لم يدفع شيئا من قايض بحصص الآخرين من الكربون، ويمكنه استرداد التكلفة من جيب المستهلك. يدفع الفقراء في دول الجنوب لحيل الغرب مرتين، واحدة مادية للتعويض عن زيادة تكاليف الإنتاج وقيمة التراخيص وفاتورة الاتجار بالكربون. ويدفعون مرة أخرى من أمنهم وصحية بيئتهم، بالتعرض لتلوث البيئة الهوائية، ومن تبعات الاحترار العالمي، ولا خيار لهم.
من يلوث البيئة معتد بأي حال، على حقوق الجميع. يقول مدير مركز ناسا قودرد لأبحاث الفضاء، الدكتور جيمس هانسن «أتمنى أن يفشل مؤتمر كوبنهاجن على أن يقروا برنامجا كهذا». حُكم على الدول الفقيرة بالبقاء في مستنفع الفقر، دائما يدفعون ولكل شيء، والمستفيد من مجريات الأمور يتمتع بحياة ناعمة في الدول الصناعية، يجمع ويكدس رؤوس الأموال.
هناك 400 مليون هندي لا تصل إليهم الكهرباء وأكثر من 700 مليون صيني لا يعرفون السيارات الخاصة، كيف يمكن لأحد أن يقف على المنبر ويطالب هؤلاء بالتخلي عن بعض الكماليات والحد من استهلاك الطاقة وهي لا تصل إليهم.
نحن والغرب
التصدي للظاهرة مسؤولية الجميع ونحن منهم، وعلينا المساهمة في الحد من الانبعاثات، لكن بما يتناسب وظرف بيئتنا. لا يمكن أن نتنصل من واجباتنا تجاه الكوكب ومن يسكن على ظهره، يمكننا رفع كفاءة إنتاج الطاقة، والتخفيف من استهلاك الوقود الأحفوري، ويمكننا التحول إلى وقود أنظف، أو حبس الملوثات، وعلينا الاهتمام بمرادم النفايات، وعلينا الترشيد في استهلاك الطاقة والمياه، لكن يستحيل علينا بعد ذلك الحد من إنتاج الغازات الدفيئة.إن كان صادقا في دعواه ومخاوفه، فعلى الغرب تقديم العون أولا في صورة تسهيلات لنقل الصناعات والتقنيات النظيفة، وثانيا في الدخول بشراكات تضامنية مع الدول الفقيرة، ولا تكفي المعونات المالية ولا تجدي على المدى البعيد.
صحيح أنهم بذلوا الجهد وكدوا في تطوير آلتهم الصناعية ومن الصعب التخلي عنها بهذه السهولة، لكن لو أنهم مؤمنون حقا بتبعات الظاهرة لما وجدوا خيارا غير المشاركة، لأنه سنحيا سويا أو نموت معاً، وبيدهم الخيار. لو أنهم صادقون في أهدافهم، لما سمحوا بإدراج مادة في البروتوكول السابق للاتجار بالكربون، والسماح لمن يملك المال بطرح ما يريد من ملوثات في الجو.تصور أن من بين 57 دولة صناعية لا توجد واحدة تعمل ما فيه الكفاية للتصدي لظاهرة الاحتباس الحراري والحد من إنتاج ثاني أكسيد الكربون، وهذا مذكور في تقارير برنامج المراقبة الألمانية، وشبكة التغيرات المناخية العالمية التي تقدر مؤشر أداء التغير المناخي في العالم. هذه الدول مجتمعة تنتج أكثر من 90% من مجمل الإنتاج العالمي للغازات الدفيئة، وتطالب الآخرين بالحد من إنتاجها! ليس أخلاقيا أن تفلت من التزاماتها الدول الصناعية التي ضخت لقرون كميات هائلة من الملوثات، وتسببت في ظاهرة الاحترار العالمي كما يقرون، وليست تهمة من الآخرين.
لا يمكن أن يحرموا غيرهم من متاع الدنيا، وفي نفس الوقت يرفضون التخلي عن بعض كمالياتهم. لن تقبل الحكومة الهندية أن يعيش 400 مليون شخص في ظلام عندما تكون قادرة على تزويد كل هندي بالكهرباء. ولا يمكن لحكومة الصين أن تمنع مواطنها من اقتناء سيارة إن تمكن من دفع ثمنها، إرضاء لسكان الشمال. لن يضحي بلد براحة أبنائه قرابين كي ينعم بالعيش غيرهم. يجب أن يكون المجتمعون في كوبنهاجن واقعيين، وإلا فهم أبعد ما يكون عن الاتفاق. ولنتذكر أنه لن يقبل التنين الصيني أو المارد الهندي بالظلم، وهم أقوياء بوسعهم أن يقولوا لا.

المملكة والاحترار
• يتوقع أن يرتفع متوسط درجة الحرارة في مناطق المملكة 6 درجات مئوية.
• المملكة ضمن المناطق التي لا تصيبها الأعاصير والتسونامي والزلازل نتيجة للاحتباس الحراري.
• المملكة لن تتأثر مباشرة وبشكل كبير بارتفاع منسوب مياه المحيطات.



 
إطبع هذه الصفحة