الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :واقع الدرجات العلمية... في «جامعاتنا»
الجهة المعنية :التعليم العالي
المصدر : جريدة الحياة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/01/1430
نص الخبر :

بصيرة الداود     الحياة     - 26/01/09//

 مرة أخرى أتناول جانباً مهماً في قطاع التعليم العالي في السعودية، أرى من خلاله أن فتح المجال لإصلاحه من جهة «المخلصين فقط» قد يختصر معالجة الكثير من الأخطاء المتراكمة لدينا.
المعروف عند إصلاح بناء أية جامعة علمية يتطلب الأمر ضرورة إعادة النظر في الكيفية التي تتناول الأسس التي قامت عليها مسبقاً، ثم إصلاحها إدارياً وتعليمياً لنقلها إلى حقبة جديدة وتاريخ جديد من خلال العمل على إيجاد فلسفة خاصة لكل جامعة، بحيث تميزها عن الأخرى بصيغ معينة، توضح بشكل أو بآخر برامج استقلالية الجامعة في إدارتها للكليات العلمية، وخطط البحث العلمي في مجال التعليم العالي، بحيث تدل كل جامعة على نفسها، وعن مدى إدراكها لمغزى التحولات الجديدة التي تجري في العالم، وموقع المعرفة والثورة العلمية من هذه التحولات، مما قد يعود بالفائدة الفعلية على جميع سبل تطوير قطاع التعليم العالي، الذي ينبغي علينا جميعاً كنخب علمية أن نسلك دائماً أقصر الطرق لسد جميع الذرائع بالعمل الفوري الجاد في ورشة الإصلاح دون تردد.
ما سأذكره عزيزي القارئ في هذا المقال سيوضح أهم الأخطاء الإدارية التي بُني على أساسها النظام الإداري في جامعات المملكة، وهي أخطاء، تظل من وجهة نظري، أحد أهم الأسباب الرئيسة لهروب الكفاءات العلمية السعودية ممن يملكون درجات علمية عليا من العمل في هذه المؤسسة الحكومية إلى مؤسسات أخرى داخل البلاد أو خارجها، وأهم تلك الأسباب يتلخص في استمرار اتباع النظام «البيروقراطي الإداري»، الذي عفا عليه الدهر، ولم تستطع معه حتى اللوائح التنفيذية المنظمة لشؤون كل جامعة تخطيه من أجل إزالة وتنظيف خيوطه «العنكبوتية» التي نسجت لتعوق الكادر التعليمي المحبط منه من مزاولة نشاطه بحرية، خصوصاً في مجال البحث العلمي والإبداع فيه، الذي قد تقدره المؤسسات العلمية أو البحثية الأخرى المتطورة داخل البلاد أو خارجها. 
مما لا شك فيه أن مفهوم «التعليم العالي» في جميع دول العالم يعني أن الدرجات العلمية العليا، من درجة أستاذ مساعد فأعلى، ثم  مستوى الإنجاز العلمي «البحثي»، إضافة إلى عدد سنوات الخبرة في مجال التعليم العالي، هي في الواقع المحصلة التي يتم من خلالها تحديد موقع النخب العلمية والاستشارية في أي دولة، وهو العامل المهم الذي يميز كل كفاءة علمية عن الأخرى في مجال التخصص الواحد.
من اللافت للنظر أن معظم من يتولى الشأن الإداري في جامعات البلاد يديرون كلياتها والأقسام التعليمية التابعة لها بمفهوم «الإدارة المدرسية» بوعي وقصد أو دون وعي، غير مدركين بأن الأنظمة الإدارية في هذا القطاع تحديداً يفترض أن تكون ذا شأن مستقل وخاص ومختلف عن أي نظام إداري «بيروقراطي» آخر، الأمر الذي انعكس على تدني مستوى الإخلاص بالنسبة للأداء التعليمي في هذا القطاع المهم.
فمثلاً، من أبز المشاكل والأخطاء التي تواجه معظمنا ونعايشها يومياً في كلياتنا الجامعية، يتمثل في الإصرار، «ولا نعلم لماذا؟» على تعيين زملاء لإدارة وكالات وعمادات الجامعات أو عمادات كلياتها، أو الأقسام التعليمية ممن لا يقيم البعض منهم وزناً لمعنى ومفهوم «التعليم العالي»، الذي من خلاله يميز كل عضو عن الآخر بحسب متطلبات الدرجات العلمية وعدد سنوات الخبرة المهنية منذ تاريخ التعيين على الدرجة العلمية، الأمر الذي انعكس سلباً، مما أدى إلى بروز ظاهرة انعدام «الاحترام» من بعض الإداريين والإداريات لمن يسبقهم ويفوقهم علماً وخبرة في مجال التعليم العالي والبحث العلمي.
السؤال المطروح: من الذي يُقيِّم الأداء الوظيفي السنوي لأعضاء هيئة التدريس ممن يحملون الدرجات العلمية العليا ما بعد درجة الدكتوراه؟ هل هم الإداريون الذين لم يتعد حصول بعضهم على آخر درجة علمية سوى سنوات عدة قليلة لا تؤهلهم للبت في مثل هذه التقارير السنوية المهمة لأعضاء يفوقونهم علماً وخبرة مهنية في هذا المجال؟ أم أن من المفترض، إذا كان هذا واقع الحال الإداري المقلوب عكسياً، أن تكون هناك لجان في وزارة التعليم العالي مختصة بمهمة الإشراف والمتابعة الدقيقة على التقارير السنوية، من أجل ألا تهضم حقوق العلماء أو الباحثين من أعضاء الهيئة التعليمية في جامعات البلاد، الذين قد تترك تقارير أدائهم الوظيفي تدار إدارياً بحسب الأمزجة والأهواء والمصالح الخاصة.
ومن الأخطار - ولن أقول الأخطاء - المحدقة بمؤسسة التعليم العالي، التي بدأت تظهر إلى السطح بشكل يفوق المعقول، عزوف معظم الإداريين والإداريات عن القيام بواجب العملية التعليمية في الجامعات السعودية، والاكتفاء فقط بمزاولة العمل الإداري بشكل يثير العجب! هذا الأمر - مع الأسف - أصبح مثالاً وقدوة، يسير على خطاه الكثير من عمداء وعميدات الكليات الجامعية، بل وصل الأمر إلى رؤساء ورئيسات الأقسام التعليمية أيضاً - دون مبالغة أو افتراء - بما أنهم يضمنون استمرار حصولهم على شرف لقب «عضو هيئة التدريس»، الذي يسبق مسماه المسمى الإداري لهم. الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه للبحث عمن يتحمل بدلاً منهم عبء التدريس من الدرجات العلمية المبتدئة، أو التعاقد من دول عربية أخرى، حتى وصل الأمر إلى استمرار التعاقد مع إخوة وأخوات من الدول العربية لتدريس المواد النظرية، مثل اللغة العربية بمختلف فروعها، أو الدراسات الإسلامية أو الاجتماعية وغيرها، التي نرى جميعاً أن قطاع التعليم العالي قد اكتفى وطنياً على الأقل في المدن الرئيسة الكبرى.
ستظل مشاكل التعليم العالي قائمة، من وجهة نظري، ما لم يكن هناك بناء لتصور جديد تفتح أمامه دائماً آفاقاً جديدة ومتطورة في المجالات كافة، في الوقت نفسه الذي تحترم فيه الأسس كافة المتعلقة بالأعراف الأكاديمية العلمية والبحثية، وكذلك الإدارية المتبعة عالمياً، بحيث تخرج هذه المؤسسة الرسمية من الوضع التي هي فيه وتدفع بها إلى الاتجاه نحو إعادة بناء سياساتها حيال التعليم العالي، بما يكفل لها توجيه التكوين العلمي - بالدرجة الأولى - نحو ميادين الإنتاج والتنمية للحاضر والمستقبل من أجل ألا تتحول الجامعات الرسمية إلى مجرد مدارس تُعنى فقط بمحو الأمية.


* أكاديمية متخصصة في التاريخ المعاصر

Basirah_1966@hotmail.com


 
إطبع هذه الصفحة