الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :المتطلبات الخمسة لبناء الجامعة الريادية
الجهة المعنية :التعليم العالي
المصدر : جريد الاقتصادية
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 30/02/1431
نص الخبر :



 

أ.د. أحمد الشميمري

سعدت بمتابعة وحضور المعرض الدولي للتعليم العالي الذي سجل نجاحاً كبيراً وحاز إشادة واسعة من المتابعين والأكاديميين المحليين والمشاركين الدوليين، وقد عكس المعرض بجدارة الحراك التعليمي الكبير الذي تشهده المملكة، وعزز الرغبة الصادقة للاستثمار في بناء الإنسان لتكوين المجتمع المعرفي واللحاق بركب التطور. وقد شدني أثناء زيارتي لأجنحة الجامعات المشاركة والاطلاع على مطوياتها وأدلتها التعريفية أن جلها ينشد التنافسية، وكلها تسعى إلى الريادة العالمية، وأكثرها يزعم بأنها تجسد بناء الاقتصاد المعرفي. هذا التقديم المتفاوت يدفعني لطرح المتطلبات الأساسية لبناء جامعة ريادية Entrepreneurial University هذا المفهوم الجديد الذي بدأ يتشكل علمياً في بداية الألفية الجديدة وانتشر في أوروبا وآسيا بعد أن انطلق من أمريكا قبل ذلك بعقد من الزمن، ويدعو هذا المفهوم إلى أن أحد أهم الأدوار الرئيسة للجامعة المساهمة في التنمية الاقتصادية من خلال إطلاق المشاريع الابتكارية المنتجة.

ويمكن أن أجمل هذه المتطلبات بخمسة محاور رئيسة هي أولاً: تحويل دور الجامعة من التركيز على التوظيف إلى التركيز على مبدأ خلق فرص العمل. وهناك فارق كبير بينهما، فالجامعات التقليدية تسعى إلى البحث عن توافق مخرجاتها مع متطلبات التوظيف في سوق العمل، في حين أن الجامعة الريادية تبني وتصمم مناهجها وتخصصاتها لتخريج طلاب قادرين على خلق فرص العمل في السوق. وهو التوجه الذي أدركته أوروبا حين اعتبرت عقدي السبعينيات والثمانينيات عقدي التوظيف في حين أن التسعينيات وما تلاها من سنين هي حقبة تغير سياسة التعليم العالي لتركز على مبادئ خلق فرص العمل وثقافة العمل الحر في بناء الأجيال القادمة. وهذا الدور الجديد يعني أن تتمحور مناهج وطرق التدريس حول استثمار الأبحاث والأفكار والمخترعات لتمكن الجامعة من أن تسهم في التنافسية العالمية للدولة. وتُعد خريجها إلى حياة عملية أكثر تعقيداً وأقل استقراراً تتوافق مع طبيعة الوظيفة المؤقتة، وعقد العمل المبني على الجدارة، والتنقل الدولي، والتواصل الثقافي، والانتماء للشركات متعددة الجنسيات، والاعتماد الأعظم على توظيف الذات. وبهذا المعنى تتحول الشهادة الجامعية من كونها وثيقة التوظيف المستديم إلى كونها مجرد بطاقة دخول إلى عالم العمل.

ثانيا: الشراكة الحقيقية مع أصحاب المصلحة من القطاعات العامة والخاصة والخريجين. فالمناداة بالشراكة مع أصحاب المصالح المحيطين بالجامعة مطلب قديم تسعى كثير من الجامعات إلى الحرص على تطبيق بعض ملامحه. لكن المطلوب هو الشراكة المتوازنة التي تتيح للجامعة الاستفادة والتفاعل مع الشرائح المختلفة في المجتمع المحلي والتي يأتي على رأسها الخريجون الذين يعتبرون أصولاً استثمارية ضخمة حين تحسن الجامعة التواصل معهم بمفهوم التمحور حول العميل. هذا إضافة إلى أهمية التركيز على شراكة المنشآت الصغيرة، ورواد الأعمال، والجمعيات غير الهادفة للربح، والتوسع في إنشاء المشاريع المشتركة، والمنشآت الصغيرة المعززة لبناء ثقافة ريادة الأعمال في المجتمع المحلي. إن التركيز فقط على التواصل مع الشركات الكبرى ربما تحقق معه المشاريع الكبيرة لكن نشر الثقافة المستديمة لريادة الأعمال يحتاج إلى عدم إغفال المنشآت الصغرى. كما أن الحصول على التمويل للمشاريع من خلال الشركات الكبرى هو إنجاز بلا شك سيسهم في دعم المشاريع الريادية، لكن بناء ثقافة المنظمة والسلوك التنظيمي للجامعة يتطلب التركيز على المجتمع المحيط والرواد المحليين.

ثالثاً: نقل التقنية والمعرفة ويتم ذلك بالتواصل الوثيق مع الجامعات الغربية والشرقية المتقدمة في مجالات ريادة الأعمال. ومن وسائل نقل التقنية إقامة الواحات العلمية، ومراكز الابتكار وبرامج الملكية الفكرية والحاضنات الافتراضية والحقيقة متنوعة الأغراض والأحجام. تلك الحاضنات التي يمتد دورها من تشجيع الأعمال الحرة الصغيرة داخل الجامعة مروراً بتقديم الخدمات الاستشارية والتجهيزات المكتبية وحتى استضافة المشاريع ورعايتها حتى تتخرج من الجامعة. ومن خلالها يتم تجسيد ما يسمى بنظرية الحلزون الثلاثي المرتكز على الجامعات وقطاعات الأعمال والحكومة والمعزز بالتوأمة المدروسة مع الجامعات المتقدمة في المجالات المنشودة.

رابعاً: التعليم القائم على الإبداع والابتكار، فالأساليب التقليدية للتعليم القائم على التلقين والحفظ لم تعد تناسب التعليم الجامعي الحديث فضلاً على أنها عائق كبير أمام بناء الجامعة الريادية. فريادة الأعمال تتطلب تعليماً قائماً على توليد الأفكار والتأمل والابتكار، وإطلاق العنان للإبداع المتحرر من النمطية، والتفكير المؤطر، والتدرج المنطقي الرتيب. كما يتطلب التفكير الريادي أن يتمحور الطالب على مفهوم ''المنشأة'' أثناء الدراسة الجامعية. هذا المفهوم الذي يوجه التفكير والإبداع إلى مكونات وأنشطة ومهارات بناء ''المنشأة'' ويصبح التعليم التطبيقي المجال الشائع لأساليب التعليم الجامعي. وقد سبقت أوروبا كثيراً من الدول في هذا المجال، حيث استحدثت منذ عام 1988م عدداً كبيراً من البرامج التشجيعية لمفهوم ''المنشأة'' في التعليم العالي بشراكة ودعم من شركات القطاع الخاص على المستوى المحلي والإقليمي. وكانت ثمرته أن أعدت جيلاً من الشباب يمتلك روح الريادية.

كما أن التعليم الابتكاري القائم على الإبداع والابتكار يتطلب تبني النظام التعليمي متعدد التخصص الذي يتيح للطالب فرصة تعدد التأهيل والاختيار من بين التخصصات المتنوعة مما ينمي سعة الأفق، ورحابة التفكير، وربط الأفكار، ويوجد مناخاً تعليماً متعدد الأبعاد التخصصية يسهم في الوصول إلى فكرة يمكن تحويلها إلى مشروع منتج.

خامساً: القيادة القادرة على توفير الإمكانات المادية والمعنوية لرواد الأعمال فوجود الإدارة الواعية بأهمية التوجه نحو ريادة الأعمال والمقتنعة بآليات بناء جيل المعرفة والتحول نحو الاقتصاد المعرفي هو أحد أهم عناصر بناء الجامعة الريادية. فنشر ثقافة ريادة الأعمال يتطلب وقتاً طويلاً وبرامج متنوعة وتعهداً مستمراً. هذه القيادة يجب أن تتميز بالإيمان العميق بالفكرة، والتبني الجاد لمفهوم الجامعة الريادية، ووضع الخطط الاستراتيجية لها، والبرامج التنفيذية لمراحلها. ومن ذلك استحداث البرامج الداعمة لبناء رواد الأعمال في التعليم الجامعي مثل مراكز التميز لريادة الأعمال، والأندية والشركات الطلابية، ومنافسات خطة العمل، وزمالة الأعمال ومسابقات مشاريع ريادة الأعمال. وختاما: فإن ما يبعث على الأمل ويزيد من التفاؤل أن مفهوم الجامعة الريادية لا يزال في عقوده الأولى في أمريكا وأوروبا فيمكن للجامعات الجادة في وطننا الغالي أن تلحق بالركب وتختصر الزمن وتضع لنفسها موقعا تنافسيا بالتميز عن طريق ريادة الأعمال.


 
إطبع هذه الصفحة