الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :ملك التعليم.. إنه الاستثمار الحقيقي
الجهة المعنية :التعليم العالي
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/10/1431
نص الخبر :
د. سلطان عبدالعزيز العنقري

كتب الأستاذ فهد العريفي -رحمه الله وغفر له- مقالًا قبل سنوات طويلة، في مجلة اليمامة، أورد فيها قصة مدرس عربي كان معلمًا في البادية والهجر في مجتمعنا قبل أكثر من أربعين سنة وكيف أن هذا المدرس العربي مكافح وفي الوقت ذاته لديه بعد نظر من خلال استثماره الحقيقي في أولاده بتعليمهم العلم النافع المفيد لهم ولمجتمعهم.
كان هذا المدرس أبًا مثاليًا يهتم بأولاده ويوجههم ويعلمهم التعليم الحقيقي فلقد استفاد هذا المدرس من طيبة وكرم ونخوة أهل البادية والهجر في مجتمعنا إلى درجة أن ما يحصل عليه من معاشات كمدرس يودعه بالكامل عند رجل سعودي أمين لعدم وجود بنوك في ذلك الوقت. فقد كان يوفر تلك المبالغ لأن كرم أهل البادية واحترامهم لمن يعلم أولادهم جعلته يوفر قرشه الأبيض ليومه الأسود. بعد سنوات طويلة، عندما كبر أبناء هذا المدرس ودخلوا الجامعات، لاحظ الرجل السعودي الأمين أن المبالغ المودعة إليه من قبل هذا المدرس بدأت بالتناقص، فقام من باب الاهتمام بسؤال المدرس لماذا مبالغه المالية المودعة لديه بدأت بالتناقص فرد عليه قائلًا: يا أبو فلان إنني استثمر في أولادي وبناتي وذلك بابتعاثهم إلى الخارج للدراسة في الطب والهندسة والمال وغيرها من التخصصات، وإنه يصرف عليهم حتى يقفوا على أرجلهم بتخصصات مفيدة لهم ولمجتمعهم الذين يعيشون فيه، وإنه أي هذا المدرس يريد أن يرتاح في «تربته» أي قبره بعد مماته عندما يرى أولاده فيهم الطبيب والمهندس ورجل المال.
إنه بالفعل الاستثمار الحقيقي الذي لا يضاهيه استثمار آخر. أما لدينا في مجتمعنا فان الكثير لدينا من الآباء، مع الأسف، غائب عنه هذا الاستثمار الحقيقي في أولاده، بل إن البعض منهم لا يرون أولادهم إلا لبضع ساعات قليلة في الأسبوع وبقية الوقت منشغلا إما في أعماله أو «التبطح» ولعب الورق والغيبة والنميمة والسهر في الاستراحات والمقاهي وغيرها إلى ساعات متأخرة من الليل أو في تجارته في حين أن التجارة الحقيقية والاستثمار هو ما هو موجود داخل محيط البيت من أولاد وبنات. ملكنا وحبيبنا ووالدنا أبو متعب -حفظه الله- استثمر ويستمر الاستثمار الحقيقي في أولاده وبناته أبناء هذا المجتمع الطيب عندما رفع عدد الجامعات إلى أربعة وعشرين جامعة بدلًا من ثمانية جامعات إلى جانب الكليات والمعاهد في جميع مناطق المملكة ولم يكتف بذلك، بل إنه استثمر في أبنائه الطلاب الاستثمار الحقيقي عندما أعطاهم الفرصة لكي ينهلوا من مناهل العلم في دول متقدمة وضم جميع المبتعثين على حسابهم الخاص لهذا البرنامج، إنه قمة العطاء وقمة الوفاء من ملك الإنسانية من خلال «برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث» الذي استفاد منه عشرات الآلاف من أبناء هذا المجتمع يدرسون في أكثر الدول تقدما وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي نأمل أن يستمر هذا البرنامج لسنوات طويلة لكي يحقق أهدافه الاستثمارية الحقيقية لمجتمعنا.
وفي المقابل فإن وزارة التعليم العالي والحق يقال تبذل جهودا حثيثة تشكر عليها عندما وضعت آلية لتنفيذ هذا البرنامج الطموح ووضعت قائمين عليه من أصحاب الكفاءة والمقدرة والمرونة في مساعدة الطلاب المتقدمين لبرنامج المنح أو الذين يدرسون على حسابهم الخاص فجميعهم أبناء هذا البلد المحتاجين لكل دعم مادي ومعنوي وتشجيع. ولكن لكي يكتمل هذا الجهد الكبير المبذول من قبل وزارة التعليم العالي فانه يتوجب عليها أن تلتفت إلى ملحقياتنا في الخارج لكي تكون في خط متواز مع الأعداد الكبيرة للمبتعثين وذلك بالنهوض بها من أجل رعاية ومتابعة أبناؤنا في الخارج. فليس من المنطق أن أكثر من تسعين ألف مبتعث ومبتعثة ومثلهم أو أكثر مرافقين يخدمهم أعداد قليلة من الموظفين في ملحقياتنا.
ولنأخذ على سبيل المثال ملحقيتنا في أمريكا لنرى أن الحال هناك لا يسر في هذه الملحقية المتمثل بعدم مقدرة العاملين في ملحقيتنا في أمريكا من خدمة طلابنا الخدمة المثلى التي يتطلع إليها ولاة الأمر -حفظهم الله- في مجتمعنا ونحن الآباء كذلك. فليس من المنطق مرة أخرى أن هواتف ملحقيتنا في أمريكا معطلة ولا يمكن أن تجد من يجيبك ويرد عليك وإذا وجدت من يرد عليك فانه البريد الصوتي (Voice Mail) لتلك الهواتف وإنها لك بالمرصاد كونها ممتلئة؟!!
يقول لي أحد الطلاب المبتعثين: إن بطارية تليفونه النقال لم تتحمل الكم الهائل من المكالمات التي صدرت من هاتفه على مدار أكثر من ثلاث ساعات وبالتالي توقفت عن العمل، وإذا حالفك الحظ واصطدت الخط فان الزحلقة جاهزة من قبل المجيب إلى تحويلة أخرى قد تكون في مكتب مقفل؟!!.
ما الذي يحصل في ملحقيتنا هناك؟ بالطبع لا نعرف ولكن سوف «نقرأ الكف» والعياذ بالله لكي نجيب على هذا التساؤل الذي قد يكون سببه الأول قلة أعداد الموظفين مقارنة بالكم الهائل من الطلاب، وثانيهما وجود مكاتب للملحقية في عدة ولايات لا فائدة منها على الإطلاق، بل شكلت عبئًا فإما ضمها للملحقية في واشنطن أو تفعيلها وإعطائها الصلاحيات الموجودة في ملحقيتنا في واشنطن، أما الأمر الثالث وهو بيت القصيد فيتمثل بوجود موظفين غير سعوديين في ملحقيتنا أداؤهم لا يرتقي أبدا إلى طموحاتنا في خدمة أبنائنا، فليس من المعقول أن توظف غير متخصصين ومتخصصات في العمل الأكاديمي لخدمة أبنائنا على الرغم من وجود مثل عربي جميل يقول لنا: “ما حك جلدك مثل ظفرك» وبالتالي فان نظام السعودة يجب أن تطال ملحقيتنا هناك، وتقليص أعداد السكرتيرات لدى المسؤولين في ملحقيتنا لأن التقنية في وقتنا الحاضر حلت مشكلة وعقدة السكرتارية والمسؤول الذي لا يعرف التعامل مع التقنية فعليه إيجاد عمل آخر يتناسب مع قدراته لأن «فاقد الشيء لا يعطيه»، وكذلك الاستفادة القصوى من الأندية الطلابية السعودية في مساعدة طلابنا في التحصيل العلمي، وحل العقبات التي تواجههم في الغربة من خلال تعيين طلاب سعوديين منتظمين متميزين من طلاب الدراسات العليا أو مرحلة البكالوريوس في تلك الأندية لمساعدة الطلاب ويكونون همزة الوصل ما بينهم وبين الملحقية في واشنطن لرعاية أبناؤنا الطلاب، وخطوط هاتفية عديدة وساخنة ومجانية على مدار الساعة للرد على استفسارات ومعاناة الطلاب وللطوارئ أيضا، إلى جانب إما تفعيل مكاتب الملحقية، كما أسلفنا، في الولايات الأمريكية الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية وغيرها من المكاتب أو قفلها وضم موظيفها إلى الملحقية في واشنطن، وأن تقوم وزارات التعليم العالي والمالية والخدمة المدنية بإحداث وظائف في ملحقياتنا في الخارج من أجل توظيف أبنائنا الذين لا يجدون وظائف لدينا. فشعار السعودة يجب أن يرفع عاليًا وأن يطول جميع ملحقياتنا في الخارج دون استثناء فلدينا المتعلمين الذين بالإمكان الاعتماد عليهم بعد الله، كما أن الملحقيات في الخارج بإمكانها الاستعانة بالطلاب السعوديين المتميزين وتوظيفهم بدوام جزئي مدفوع الأجر بالساعة للتغلب على النقص الحاصل في أعداد الموظفين.
وختامًا الشكر والتقدير والعرفان لوالدنا أبي متعب على برنامجه الاستثماري الحقيقي الطموح والناجح «برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث» من أجل النهوض بمجتمعنا بسلاح العلم والمعرفة


 
إطبع هذه الصفحة