الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :هل من حل..؟!
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/02/1432
نص الخبر :
أ.د. محمد خضر عريف

سألتني حفيدتي البالغة من العمر اثنتي عشرة سنة: يا جدّو: ليش يصلوا صلاة الاستسقاء، وكل ما تنزل المطرة الناس تغرق وتموت؟ ولم أجد أمامي سوى إجابة واحدة: يا بنتي، يصلوا صلاة الاستسقاء حتى يكون المطر سقيا رحمة، مُو سقيا عذاب.
فقالت الصغيرة ببراءة: طب ليش دايمًا إذًا بتكون سقيا عذاب؟ وقفت وقتها وأُرتج عليّ، وغلبني منطق الطفولة البريء الذي لا يرى إلاّ الحق والحقيقة، ولا يعرف المداهنة والمزايدة والنفاق والكذب، وبعد أن وقع (طوفان الربوع) في الأسبوع الماضي، وعاشت الطفلة معنا معاناتنا وبؤسنا وشقاءنا وحيرتنا ولوعتنا وألمنا، حين غرقت أمها طالبة الدكتوراة وهي تحاول النجاة بروحها من الطوفان الذي أغرق الجامعة، وكذلك خالتاها: ابنتاي اللتان غرقتا كذلك وانتُشِلنَ بأعجوبة، وكذلك زوجتي الإدارية التي كانت عائدة من عملها فغمر سيارتها السيل، فاضطرت للقفز من السيارة مع أختها المدرّسة، ليجرفهما السيل، ولولا أن أسعفهما المتطوّعون وليس رجال الدفاع المدني لكانتا غرقتا وابتلعهما الطوفان كما ابتلع غيرهما بالعشرات، عاشت الطفلة كل تلك الأحداث، ورأتني للمرة الأولى عاجزًا لا يلوي على شيء، ويقلّب كفيه على مدينة كاملة وهي خاوية على عروشها. ولا يملك سوى الصلاة والدعاء، إلى أن عيل صبره، فركب سيارته، وهام على وجهه في شوارع لم تعد شوارع، بل باتت أنهارًا وبحارًا، ولكنها أنهار وبحار آسنة، اختلط ماؤها بمياه المجاري، وجرفت القمامة والقاذورات، وغطّت ما تحتها من حفر وخنادق ومصائد ومصائب، وحاول الأب أن يصل إلى بناته، أو إلى زوجته وأختها، ولكن هيهات.. هيهات، وما من صلة له بهن إلاّ الهواتف الجوالة، فهو يسمع على الأقل أصواتهن، ولكنه يسمع النحيب والبكاء والعويل، ويمنعه الطوفان من الوصول إليهن؛ ليقدم لهن كسرة خبز، أو رشفة ماء، فهن عدا مصابهن الجلل لم يذقن طعم الزاد منذ الفجر،
ولم يستطعن قضاء حاجة، وهن محاصرات بالأمواج من كل حدب وصوب، وبعد عودتهن بأعجوبة إلى المنزل في الثانية فجرًا، رأتهن الطفلة مع بقية إخوتها وأخواتها، فصاحت: “هي سقيا عذاب يا جدّي” بعد أن رأتهن مبتلات، ومتسخات، وينتفضن من البرد والخوف والجوع والعطش.
أنّى لي أن أقول: إنها ليست سقيا عذاب، وما حصل لعائلتي كلها كان أخف ممّا حدث لعائلات إخواني وأخواتي المواطنين والمواطنات، والمقيمين والمقيمات ممّن انتحبوا على فقد أحبائهم، أو تشردوا في الشوارع بعد خراب بيوتهم، وانجراف مركباتهم، أو هاموا على وجوههم يبحثون عن أبنائهم وبناتهم الذين ضاعوا منهم، أو احتجزوا في مدارسهم أو جامعاتهم، وما من معين لهم إلاّ الله تعالى، والشرفاء من أبناء البلد، وأصحاب النخوة من العمال الهنود والبنجالة وسواهم، هؤلاء وهؤلاء فقط مَن أسعف المصابين، وانتشلهم ومدّ لهم يد العون، وعاد ببعضهم إلى منازلهم بشق الأنفس.
عام مضى ليس إلاّ على الكارثة الأولى، سمعنا بعد الكارثة مباشرة الكثير من الجعجعة، ولم نرَ حفنة من الطحين، سمعنا الكثير عن محاسبة المقصرين في الشهور القليلة الأولى التي أعقبت الكارثة، ثم أطبق صمت رهيب، ونُسي الأمر برمته، وتناسى الناس المشغولون بلقمة عيشهم، ومشكلات سكنهم وأعمالهم، وبطالة أبنائهم، أو تسكع أبنائهم وبناتهم الذين لا يجدون مقعدًا في جامعة أو كلية، وأثقلتهم تكاليف المعيشة التي تزداد كل يوم، وتقصم ظهورهم، ولم يستفيقوا من غفلتهم إلاّ وقد وقعت كارثة جديدة لتعود وتدمر بيوتهم التي أصلحوها بدمهم ودموعهم وديونهم التي تتراكم كل يوم، ولتجرف السيول سياراتهم التي يقسطونها من قوت أبنائهم وبناتهم، بعد أن كانت جرفتها في عام مضى، ولم يعد لديهم الوقت ليعودوا ويسألوا: هل لقي المقصرون جزاءهم؟ أو على الأقل: هل أنجز شيء ممّا تعهدوا بإنجازه من المشروعات التي تحمي المواطنين، وتصّرف السيول، وتدرأ الخطر؟ والواقع الأليم أن شيئًا من ذلك كله لم يحدث، وما من حلول تقدم إلاّ إيواء المتضررين في الشقق المفروشة، وتقديم المعونات والإغاثة لهم من طعام وشراب وبطانيات، وكأننا نتعامل مع مخيمات للاجئين في بنجلاديش، أو النيجر، أو إثيوبيا.
لا نعلم إن كنا عاجزين عن حل المشكلة، لِمَ لا نستعين بخبرات دول أخرى؟ حتى لو كانت دولاً فقيرة، فماليزيا حلّت مشكلة السيول فيها، بل حتى بنجلاديش حلّت المشكلة، ونحن مازلنا واقفين لا نراوح مكاننا.


 
إطبع هذه الصفحة