الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :حَجْر التعليم عبدالملك علي الجنيدي
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة الوطن
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 30/02/1430
نص الخبر :

كتبت مئات المقالات الصحفية، ولم أجد نفسي أخط سطراً وأمسحه في بداية أي مقالة مثل هذه. وكأني ببشارة الخوري وهو يقول:
يبكي ويضحك لا حزنا ولا طربا
كعاشق خط سطراً في الهوى ومحا
أبكي من مأساة مستمرة اسمها التعليم العام، وأضحك على سذاجة مناهجنا وبساطتها وسطحيتها، خاصة عندما ندمغها بشهادة التفوق في الثانوية العامة، التي تختصر لنا معاناة الجيل في الضحك على الذقون.
أحسن الملك، وفقه الله، عندما شمل التعليم في التعديل الوزاري الأخير، فهو قطاع هام، وعلى أكتاف التعليم تنهض أمم وتسقط أخرى. ومن هنا فلا أعتقد أن أحداً منا يستطيع أن يوجز مشاكل التعليم عندنا بمقالة ولا حتى كتاب.
أول ما يمكن قوله هو ضرورة أن ينظر للتعليم ومشاكله بصفة شاملة مترابطة لا بصفة منعزلة.
فالمعلم لا ينال التأهيل الجيد لكي يصبح معلما، ثم لا ينال التدريب المناسب، ثم إن الكثير من المعلمين صاروا موظفين، ولا يفصل المتهاون والكسول والمفرط حتى ولو فعل ما فعل.
والطالب مثقل ظهره بأسفار الكتب المتعددة والضخمة في محتواها، قليلة الفائدة في حقيقتها. حتى كلما سمعنا بفكرة نادى المنادي أضيفوها مادة جديدة مثل التربية الوطنية ومكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان والحوار الوطني، ونسينا أن الطالب لا يجيد مهارات التفكير والتحليل، ناهيك أن مكافحة الإرهاب الحقيقية وأن المواطنة الحقة تقتضي أن تعلمه كيف يفكر ويحلل، حتى لا يتنازل عن عقله وفكره، وهو أعز ما فضله الله به عن غيره من المخلوقات.
والطالب نفسه منتج تشتكي الجامعات من رداءته، حتى شرعت في وضع حجر دراسي (على وزن حجر صحي) اسمه السنة التحضيرية، بعدما بلغ السيل الزبى وخرجت المدارس العامة والخاصة طلاباً ملائكيين نسبهم 100% وبالعشرات، والكارثة أنها تعلن ذلك في إعلانات مدفوعة في صفحة كاملة!
والمدرسة متهالكة، والمستأجرة لا تزال تسرح وتمرح، والطلاب لا يزالون يدرسون في المطبخ وغرفة النوم والمقلط، ناهيك عن عدم وجود الملاعب والساحات والحدائق المدرسية، حتى يخيل للبعض أن وجود حديقة مدرسية وفناء واسع أمر مستحيل حتى في المدن الكبرى، ولا يرى إلا في الأفلام الغربية.
أما المناهج فحدث ولا حرج، مناهج سطا عليها الفكر التلقيني السطحي فأخذ التفكير إجازة غير محددة لينيب عنه الحفظ والتسميع. مع إهمال لمهارات التعلم السبع الأخرى وكل الذي نستخدمه (ولا أقول نتقنه) هو أن يستمع الطالب، هذا إن استمع في وجود بيئة غير مساعدة للاستماع، من تكدس للطلاب في غرف صغيرة ومدرس لا يحسن عرض المادة، بافتراض أنه يلقيها واقفا مجتهدا وقليل ما هم.
أما كليات إعداد الأساتذة فلقد أحسنت الدولة عندما ألحقتها بالجامعات، فهي احد أسباب الداء وهي التي تخرج منها موظفون لا معلمون. هذه الكليات بحاجة إلى هدم. نعم هدم. وأكرر "هدم" للمرة الثالثة. والهدم هنا هو هدم للمنهج المتقوقع الركيك وليس للمبنى، مع ضرورة الانفتاح على العالم. فكم من أستاذ في هذه الكليات لو قارنته بغيره لما استحق حتى درجة معيد، إلا من رحم ربي. هذه الكليات تقوقعت على نفسها، ولم تستفد من تجارب العالم، وبقيت تمنح درجات الدكتوراه من أروقتها أو أروقة الجيران أو من أروقة دكتوراه الغسالة والبوتجاز.
أذكر أن أحد الأساتذة الجامعيين المشهورين من دولة عربية شقيقة أقدم على خطأ تاريخي بأن التحق بإحدى هذه الكليات، ويالهول ما حدث. أراد الرجل أن يقدم استقالته من أول أسبوع بعدما عاين بيئة مدرسية وليس جامعية وإدارة كلية متسلطة تعيش خارج التاريخ وبقي يعاني الأمرين حتى مضت الفترة الأولى من إعارته. وعلى مدار السنة كان يزوره الأساتذة والباحثون ويستضيفونه ليستفيدوا من علمه ويسلونه فيما حل به حتى فرج الله كربته وعاد إلى بلاده محملا بتجربة مريرة قاسية.
كما أذكر في إحدى زيارات التعاقد التي كنت أجريها للجامعة للتعاقد مع أساتذة من خارج المملكة، أنني قابلت وفد التعاقد لكليات وزارة التربية في أحد البلدان العربية، وأن أستاذ اللغة العربية من فريق المقابلة درج على سؤال المرشح عن رأيه في أديب مشهور. وما إن يفرغ المرشح من إجابته حتى يرد عليه ذلك الأستاذ "بأن ذلك الأديب فاسق وأن لا مكان في تعليمنا لمن في قلبه احترام لذلك الأديب"، ليعود وقد حمل الطائرة بجوقة من الدراويش لا يفرقون بين الغث والسمين أو بمتزلفين لا يهمهم إلا الدروس الخصوصية والواسطة في النجاح.

*أستاذ هندسة الإنتاج بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة


 
إطبع هذه الصفحة