الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :ربان جديد على سفينة مؤسسة النقد وديع أحمد كابلي
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة الوطن
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 30/02/1430
نص الخبر :
بعد حوالي ثلاثة عقود من العمل الدؤوب المتواصل تقاعد أحد رموز العمل المصرفي ورئيس (بنك البنوك) محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) وحل محله نائبه ليدير دفة السفينة في وقت من أصعب الأوقات وفي جو مليء بالعواصف والأمواج العاتية.
هذا التغيير قد لا يعتبر تغييرا في الاستراتيجيات، لأن الاثنين من مدرسة كلاسيكية واحدة، تعرف لدينا بمدرسة محمد أبا الخيل، وزير المالية والاقتصاد الوطني السابق وعراب الاقتصاديين في المملكة، والذي ترك بصماته وأسلوبه واضحاً في كيفية إدارة الاقتصاد الوطني بمجمله، وذلك خلال فترة وزارته والتي استمرت لمدة طويلة وخلال فترة الطفرة الاقتصادية الأولى، حيث تم تأسيس الاقتصاد السعودي بشكله الحالي الحديث .
الدكتور محمد الجاسر(كما يظهر في سيرته الذاتية) عمل لفترة في وزارة المالية، فبعد حصوله على الماجستير عمل في وزارة المالية رئيس وحدة التحليل المالي والاقتصادي بإدارة الميزانية العامة خلال الفترة من عام 1981 إلى عام 1988، وأيضا خلالها كان مشرفا على أعمال بعثة البنك الدولي في المملكة، كما كان يواصل دراسته للدكتوراه، والتي حصل عليها عام 1986.
ثم عاد إلى أمريكا عام 1988 ليشغل منصب المستشار في مكتب السعودية لدى صندوق النقد الدولي في واشنطن، وبعد عام رقي إلى وظيفة نائب المدير التنفيذي في مجلس إدارة الصندوق، حيث كان الدكتور يوسف نعمة الله يشغل ذلك المنصب بعد الدكتور محسون جلال منذ عام 1981 ( وكلاهما قد توفاهما الله).
وفي عام 1990م عين الجاسر مديرا تنفيذيا وممثلا للمملكة في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي إلى عام 1995، حيث عاد إلى المملكة ليكمل مسيرته الوظيفية في مؤسسة النقد.
الدكتور الجاسر من الشباب (نسبيا لأنه يصغرني بحوالي 10 سنوات) الطموحين ويتمتع بمعرفة أكاديمية ممتازة ومعرفة جيدة بنظام النقد العالمي وخفاياه، كما يتمتع بقدر كبير من الذكاء والخبرة العملية الواسعة من خلال عمله المتواصل في المالية وفي المؤسسة، وعلاقاته الواسعة على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي، وأنا من المعجبين به شخصيا، لما توسمت فيه من ذكاء لماح ومعرفة جيدة بالشؤون الاقتصادية والنقدية على وجه الخصوص، وحبه للمعرفة والتعلم والاستماع الجيد، وذلك منذ أول لقاء معه (1980-1981) حينما كان مازال طالبا للماجستير في جامعة كاليفورنيا، وكنت حينها أعمل كمساعد للدكتور محسون جلال في صندوق النقد الدولي.
ولا شك أنه يتمتع بقدرات علمية وعملية تؤهله لهذا المنصب الهام والرفيع، حتى إني كنت أتساءل في بعض الأحيان عن تأخر تعيينه كمحافظ للمؤسسة.
وعلى أي حال، ما يهمني هنا كمواطن، هو ماذا يعني هذا التعيين لمؤسسة النقد وللسياسة النقدية المقبلة؟ وماهية الآثار المتوقعة، أو المرجوة على الاقتصاد الكلي وخصوصا في ظل هذه الأزمة العالمية الطاحنة؟
هل سيحدث تغيير في السياسة النقدية؟ وفي أي اتجاه؟ أم هل سيظل الحرس القديم يحكم المؤسسة بالرغم من وجود وجه جديد على دفة السفينة؟
كل تلك الأسئلة تساورني كأكاديمي ومراقب مستمر ومواطن عادي، كما تساور كل المشتغلين والمتشاغلين بالوضع الاقتصادي المحلي والعالمي!
فمنذ عام 1986 وحتى الآن لا توجد لدينا سياسة نقدية، وذلك بسبب تثبيت سعر الريال مع الدولار عند 3,75، فهذا التثبيت المستمر بالرغم من تغير الظروف الاقتصادية والنقدية في جميع الاتجاهات، يجعل السلطة النقدية تفقد القدرة على التصرف في مواجهة التغيرات المحلية والعالمية المستمرة، والتي تحتاج إلى مرونة كبيرة في تحريك دفة الاقتصاد.
فسفينة المؤسسة تحتاج من الربان أن يحرك الدفة، يميناً وشمالاً حسب حالة البحر ليواجه الأمواج والعواصف، وليصل بالسفينة إلى وجهتها المحددة، دع عنك الشعاب المرجانية التي قد تغرق السفينة لو اصطدمت بها.
فقدان القدرة على تغير سعر الصرف مع الدولار، يفقد المؤسسة القدرة على تغير السياسة النقدية بشكل مستقل عن الدولار، بل يكاد يفقد العملة الوطنية معناها!
وبالرغم من أن تغير أسعار الفائدة لمواجهة التغيرات الاقتصادية قد فقد معناه وفعاليته، كما ظهر جلياً خلال الأزمة المالية الحالية، فلم يعد تخفيض أسعار الفائدة يؤدي الدور المنتظر منه في تحفيز الاقتصاد، فما زالت المؤسسة تعمل على حسب النظريات القديمة والتي ثبت الآن فشلها بما لا يدع مجالاً للشك، فكلما خفضت أمريكا سعر الفائدة هناك، قمنا بتخفيضها هنا، في الوقت الذي يجب فيه رفع السعر هنا للحد من التضخم وزيادة معدل الادخار والاستثمار!
ليس هذا هو فقط ما سيواجه المحافظ الجديد، بل إنه جاء في وقت تحتاج فيه السفينة إلى ربان ماهر جدا، لأنه سيواجه عواصف عاتية بدأت تتجمع سحبها من فوقه، فجميع المؤشرات تدل على أن الأزمة العالمية ما زالت في بدايتها وهي مرشحة للزيادة والاتساع، ودور البنوك فيها دور مركزي، كما أنه يحتاج إلى استعمال كل الأدوات النقدية التي لديه وليس مجرد تغيير أسعار الفائدة، كما لابد من فرض الشفافية الكاملة على البنوك، والتعامل حسب القواعد المتعارف عليها، والحد من الجشع المتأصل في بنوكنا المحلية، فلم يعد هناك مجال للمجاملات، فإن مستقبل البلاد على المحك.
ويمكن القول إنه الرجل الصحيح في المكان الصحيح، وإن اختياره لهذا المنصب الرفيع كان في غاية التوفيق، ومع ذلك يجب ألا نتوقع من الرجل أكثر مما يحتمل، فإنه لا يعمل بمفرده أو في فراغ، فهو جزء من منظومة بيروقراطية متأصلة ومتشابكة، ولا ننس أن هناك ذراعاً قوية أخرى تتحكم في السياسة المالية، كما أن هناك وزارة الاقتصاد والتخطيط!
ولذلك نأمل في أن تتمكن المؤسسة تحت قيادته من الخروج من تحت عباءة وزارة المالية وتتمتع بالاستقلال الذي أعطاه إياها النظام، والذي يجب أن يكون، ورسم سياسة نقدية مستقلة، وعدم شغل نفسها بموضوع شركات التأمين، وإعطائها لجهة أخرى تتكون لذلك الغرض، كما حدث بالنسبة لهيئة سوق المال، والتركيز فقط على رسم وتنفيذ السياسة النقدية ومراقبة البنوك بشكل جدي وفعال، حتى لا نقع في أخطاء الماضي.
وعلى أي حال فإن وجود وجه جديد على دفة السفينة لابد أن يحدث بعض التغييرات، كما أنه من المؤمل في رجل بمثل قدرته وذكائه أن يكون ربانا ناجحا يقودنا نحو بر الأمان بإذن الله.
*أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة

 
إطبع هذه الصفحة