الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :فخورون بك يا مازن
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 30/02/1430
نص الخبر :

 

غازي عبداللطيف جمجوم
قلت له مازحا : «لقد جعلوا منك شيخا وأنت لا زلت صغيرا». وهكذا يبقى الابن في عين أبويه والطالب في عين أساتذته على عهدهم الأول به مهما تقدم في السن أو العلم أوالمكانة. في الواقع أنني لم أنتبه إلى مرور الأعوام فقد بلغ طالبي السابق – الدكتور مازن فؤاد خياط، عضو مجلس الشورى في دورته القادمة - الخامسة والأربعين. ضحك مازن وردّ بنفس أدبه الجم الذي كان معروفا به عندما كان طالبا في كلية الطب بأبها قبل عشرين عاما. لم تكن فقط أخلاقه الدمثة التي ميزته بين زملائه هي ما شدني إليه ولكن، أكثر منها، كان إصراره الذي أدهشني على تحقيق الدرجة الكاملة في المقرر الذي درّسته له بعد بعض التراجع الذي مر به، ثم كان الحادث المؤلم الذي أصابه. ومنذ ذلك الحين بقيت علاقتنا قوية واتصالنا مستمراً رغم تباعد الزمان والمكان.
جاء الحادث المروري المروع الذي أفقد مازن القدرة على المشي وهو في السنة الأخيرة من الدراسة. اهتز لهذا الحادث جميع الأساتذة والطلاب في كليتنا الصغيرة في مدينة أبها الحالمة التي كانت تشبه زهرة جميلة تنمو على قمم جبال عسير. كان حجم الكلية يسمح بأن نكون فعلا كأسرة واحدة. كنا نتساءل والحزن يعصرنا عند زيارته بعد الحادث : هل يكمل مازن دراسته؟ كيف ستكون حركته وتنقله؟ كيف يتحمل مشاق العمل في المجال الطبي إذا هو تخرج؟ كيف ستصبح حياته الأسرية؟ لكن مازن احتفظ بهدوئه ودماثته وبدا صابرا محتسبا لا يظهر منه سخط أو ضجر. وكان هو منبع الأمل لنا جميعا. أدهشنا بهدوئه وقوّته. انقضت فترة العلاج، وعاد مازن على كرسيه المتحرك ليكمل دراسته ويتخرج طبيبا. لم يكتف بالتخرج كطبيب عام. التحق بمستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض للتخصص في أمراض وسرطان الدم. سافر إلى أستراليا للدراسة ثم عاد ليواصل العمل بالمستشفى. عندما زرته في سكنه في الرياض كان يقوم بكل واجبات الضيافة بنفسه ولا يسمح لي بالتحرك من مكاني. شرح لي كيف يذهب من المنزل إلى العمل بالسيارة دون مساعدة من أحد. أطلعني على التجهيزات التي تسمح له بقيادة السيارة والذراع الآلي الذي يقوم برفع الكرسي المتحرك إلى سطح السيارة ثم بإنزاله بجانبها بعد الوصول إلى المكان المقصود. لم تعد الحركة والتنقل مشكلة بالنسبة له. كان يذكّرني بأحد أساتذتي القديرين في هيوستون الذي كان مصابا بالشلل ومع ذلك يتحرك على كرسيه بنفس الخفة والسهولة، ولم تمنعه إصابته من أن يصل إلى أعلى المناصب الأكاديمية بل أصبح رئيسا للجمعية الأمريكية للأحياء الدقيقة لسنوات طويلة. وقبل ذلك كان هناك فرانكلين روزفلت الذي أصيب بشلل الأطفال في سن متأخرة، ومع ذلك لم تمنعه إصابته من أن يصبح أحد أفضل الرؤساء الأمريكيين على الإطلاق. سافر مازن في المرة الثانية إلى الولايات المتحدة ليكمل متطلبات الزمالة الأمريكية لأورام الغدد اللمفاوية، وعاد من هناك ليفاجأ باختياره في مجلس الشورى.
سوف تخوض يا مازن في السنوات القادمة تجربة فريدة عايشتها أنا لأربع سنوات مرت كالحلم. سوف يجمعك المجلس بزملاء يمثلون نخبة من أكثر أبناء هذا البلد علما وتأهيلا يمثلون كافة مناطق بلادنا الواسعة. بعضهم قد يقاربونك في السن وبعضهم قد يكونون أقرب إلى سن والدك الكريم. ومع ذلك ستجلس معهم كما كنت تجلس مع زملاء الدراسة، وستثريك كثيرا معرفتهم وزمالتهم. ستحس بمتعة كبيرة وأنت تسمعهم يتحاورون بطريقة راقية ومنظمة قل أن تجد ما يعادلها في التنظيم في مجتمعاتنا الشرقية حيث يقاطع الناس بعضهم البعض في الكلام ويتحدثون سويا وقد لا يسمع أحدهم ما يقوله الآخر أو يستوعبه. سوف تستمع إلى حديث خادم الحرمين الشريفين وتحس بالقرب منه في لقائه السنوي وكلمته التي تحدد الإطار العام لمسيرة المجلس. سوف تقابل وفودا عالمية ورؤساء وتزور دولا مختلفة وتتحدث إلى أعضاء برلماناتها. سوف تعرض أمامك التقارير السنوية لكافة الوزارات والإدارات الحكومية وسوف تبحث عن نقاط الإنجاز أو القصور عند هذه الجهات. سيضعك كل ذلك في موقع المسؤولية وستحس بثقل هذا الموقع. سوف تستمع بإسهاب إلى الوزراء وكبار المسؤولين وتطرح عليهم الأسئلة. وسوف تناقش بإسهاب وكلاء الوزارات الذين تستضيفهم لجان المجلس المتخصصة. سوف تجتمع كذلك مع أناس كثيرين من القطاعين الخاص والعام لتسمع وجهات نظرهم. وأنصحك ألا تهمل وجهة نظر أي فئة. ستشارك في وضع الأنظمة والتوصيات والتصويت عليها. سيتضح لك دور المجلس التشريعي والرقابي وكيف يمثل السلطة والركيزة الثالثة في الحكم في بلادنا، بجانب السلطتين التنفيذية والقضائية، وكيف يمكنه تقليل الفجوة بين الحكومة والمواطنين. في البداية قد تحس بالضياع من كثرة ما تسمع ومن تنوعه. ولكن مع تكرار المواضيع سنة بعد سنة سيتوثق إلمامك بها وستجد المجال المناسب لتفعيل خبرتك وأحاسيسك إلى قرارات قابلة للتطبيق تخدم بها وطنك ومواطنيك. لا أحتاج طبعا إلى أن أوصيك على الخصوص بفئة تحس بها أكثر من غالبية أعضاء المجلس وأكثر مني، فئة لا أعتقد أننا أعطيناها ما تستحق، وأنت أقدر مني على الحكم بذلك. أخيرا، يا مازن، لا تسمع إلى من يحاول التقليل من دور المجلس وأهميته فهذا المجلس، مهما قصر أداؤه حاليا في بعض النواحي يشكل بناء لا بد منه في مسيرة التنمية في بلادنا كما هي الحال في ما يعادله من مجالس في كل دول العالم.. وفقك الله وأعانك ورعاك.

للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 133 مسافة ثم الرسالة

 
إطبع هذه الصفحة