الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :(لقد شبعنا مؤتمرات، وأتخمنا ندوات)
الجهة المعنية :التعليم العالي
المصدر : جريدة الرياض
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/05/1432
نص الخبر :

محمد بن أحمد الرشيد

    لم يخطر ببالي أن تأتي ردود الفعل على مقالتي بعنوان (آن الأوان لاستقلال جامعاتنا) بهذه الايجابية الكبيرة، التي تؤكد عظيم منزلة الجامعات وسامي رسالتها عند الناس ومع اتفاق كل المتصلين بي على أن الجامعة السعودية ينبغي ان تتخلص من التبعية الإدارية لأي جهة كانت أسوة بالجامعات المرموقة في العالم.

إن مؤسسة هذا هو سمو قدرها، وعظيم منزلتها عند مجتمعها السعودي عليها أن تظل جديرة بهذه الثقة، أهلاً لحمل هذه الرسالة، وألا تخذل من يؤملون كل الخير فيها.

إن مما يلحظه الجميع هو ان بعض جامعاتنا استنفدت الكثير من جهدها ومالها في إقامة ندوات ومؤتمرات لا تضيف جديداً إلى المعرفة العلمية، ولا تخدم المجتمع البتة، بل ان بعض هذه المؤتمرات يعقد لتناول موضوعات لا تحتاج لمؤتمرات أو ندوات، إذ هي لا تجلو غامضاً، ولا تضيف جديداً يحتم إقامتها، إن لم تكن تشويهاً لصورة الجامعة، وثقل رزانتها، وسمتها العلمي.

* * *

والمعروف بالبديهة لا يحتاج إلى تعريف، فالجامعة هي أبرز محضن للعقول، وهي ميدان للنهوض العلمي إنها لإعداد أجيال المجتمع التي تتحمل المسؤولية وتواصل أداء الرسالة الهادفة إلى نمو المجتمع وازدهاره، بل إنها تعد الإنسان ليكون مستحقاً للخلافة في الأرض كما أراد الله له ذلك.

إن الجامعة هي المسؤول الحقيقي القادر على الإعداد الكامل للفرد نفسياً واجتماعياً وعلمياً ووطنياً بجانب إعداده دينياً، وخلقياً فلتركز الجامعة على هذه الجوانب مجتمعة فيما يخص رسالتها التعليمية، ولن تحقق ذلك في خريجيها إلاّ إذا اتصفت الجامعة في أوجه نشاطها بالرزانة العلمية.

* * *

أما رسالة الجامعة البحثية فتتركز على البحث عن كل جديد في ميادين تخصصاتها، واثراء هذه المكتشفات وإيجاد الحلول العلمية لكل ما قد يعتري المجتمع والحياة من مشكلات إذ إنها تصطفي - من المفترض أن يكونوا - خيرة العقول في كل تخصص تقدمه، والمتمكنين كلاً في مجاله، وتعطيهم من حرية البحث والانفاق على بحوثهم ما يمكنهم من الاستمرار في اكتشافاتهم وإضافة الجديد، ولا تتعثر يوماً بسبب نقص الإمكانات المتاحة لهم، أو تحويل جهودهم إلى ما لا علاقة له برسالة الجامعة.

* * *

إن مما يلحظه الجميع هو ان بعض جامعاتنا استنفدت الكثير من جهدها ومالها في إقامة ندوات ومؤتمرات لا تضيف جديداً إلى المعرفة العلمية، ولا تخدم المجتمع البتة، بل ان بعض هذه المؤتمرات يعقد لتناول موضوعات لا تحتاج لمؤتمرات أو ندوات، إذ هي لا تجلو غامضاً، ولا تضيف جديداً يحتم إقامتها، إن لم تكن تشويهاً لصورة الجامعة، وثقل رزانتها، وسمتها العلمي.

* * *

وإنه بحكم تخصصي وعملي الجامعي في داخل المملكة وخارجها، ومشاركتي في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية المتخصصة خارج المملكة لم أجد جامعة مرموقة في الخارج تقيم مؤتمراً أو تعقد ندوة وتنفق عليها وتدعو لها من خارج مقرها، وتستضيفهم بل العكس هو الصحيح إذ إن نسبة من ميزانية هذه الجامعات تجيء ثمرة إقامتها للمؤتمرات العلمية المتخصصة التي يدفع كل متخصص مشارك رسم اشتراك، لا أن يأخذ مكافأة، وأجراً وشهادات ودروعاً كما هو الحال عندنا، فالأصل ان يسعى المتخصصون إلى الاشتراك في المؤتمر، إدراكاً منهم لأهمية ما يضيفه هذا المؤتمر أو تلك الندوة إلى ثروتهم العلمية.

* * *

إني أدعو ان تتصدى إحدى جامعاتنا - وما أقدرها - لعمل تقويم فاحص لما جنيناه من هذه المؤتمرات العديدة وتلك الندوات الكثيرة المتوالية طيلة السنوات الثماني الماضية، وما الجديد في العلم الذي تحقق معها، وما هي التوصيات المتكررة التي أخذ بها؟ وكم من الأموال الطائلة التي أنفقت عليها!! والجهود المضنية التي بذلت في إقامتها.

* * *

لقد تحدث إلي عدد من أعضاء هيئة التدريس في إحدى جامعاتنا قائلين: لا تتوقعوا نهوضاً بالتعليم الجامعي ونحن على هذا الحال، فقيادة الجامعة العليا عندنا ومعهم العمداء ورؤساء الأقسام مشغولون بإعداد مؤتمر إلى إعداد مؤتمر آخر قريب، ونحن معهم لتنفيذ أوامرهم، ويواصل أحدهم قائلاً:

(وما ينبغي ان ينفق على ما يحسن الجودة، ويطور الأداء يذهب إلى هذه المؤتمرات، وتغطية هذه الحفلات والضيافات وتكاليف هذه المشاركات والبهرجات والملصقات الجدرانية).

وقال أحد أصحابي الأستاذ في تلك الجامعة: (حتى هذه المؤتمرات المتوالية عديمة الجدوى، هي ليس كما يعلن عنها، أنها ستستمر يومين أو ثلاثة، إذ تراها قد انتهت بعد جلسة الافتتاح التي يغرد فيها المتحدثون بالثناء، والتمجيد والتبجيل.

وتنتهي دون ان نضع يدنا على شيء علمي حقيقي نافع قد تحقق. بل قد تخلو القاعة المزينة بعد المرة الأولى من كل المشاركين إلاّ قلة ونادراً).

* * *

وهنا أؤكد ان العرف الجامعي العالمي فيما يخص الندوات والمؤتمرات ينص على معايير لإقامة المؤتمرات، منها:

١- أنه لا يعقد مؤتمر ولا تقام ندوة إلاّ في شأن علمي تخصصي ذي بال، يستحق ذلك وتتوسع به مدارك المشاركين فيه، ويقفون فيه على الجديد في موضوعه، وينظمه المتخصصون في مجاله.

٢- خلو هذه المؤتمرات والندوات من البهرجة الإعلامية والضجة الدعائية وكلمات الافتتاح الطنانة، والزينات الخارقة التي لا علاقة لها بالعلم.

٣- ان يتحمل المشاركون تكاليف إقامتهم وسفرهم بل انهم في الغالب يدفعون قيمة اشتراكات تحدد لحضور هذه المؤتمرات والندوات.

فهلا تتأسى جامعاتنا بهذا الانضباط والرزانة العلمية!! فرق كبير بين جامعة علمية ومؤسسة تجارية أو إعلانية!!

واليوم، مخلصاً، صادقاً، غيوراً أدعو جامعاتنا إلى قوة التنافس الشريف في التميز العلمي، والسبق البحثي، الابتكاري، والوقار العملي.

وبكل صدق أقول: ليس في كثير من هذه المؤتمرات والندوات التي تقيمونها ما يخدم المجتمع حيث ان خدمة المجتمع هي الركن الثالث لرسالة الجامعة مع البحث العلمي والتعليم.

* * *

وأكثر ما يؤلمني ان بعض المشاركين في هذه المؤتمرات من خارج المملكة يسخرون منا، حتى ان أحدهم قال لي: مع سعادتي بوجودي في المملكة فإني أشعر بأني لم أقدم شيئاً مفيداً، ولم استفد شيئاً من المشاركين الآخرين، لأن موضوع المؤتمر بديهي، ولا يحتاج إلى مؤتمر وتوصيات هذا المؤتمر انبغائيات لا جديد فيها، ولا جدوى منها، وكأننا بذلك نطبق المثل العربي (فسر الماء بعد الجهد بالماء)، وزاد على ذلك ان قال: كان بالامكان ان اكتب هذه التوصيات من مقر عملي، ودون حاجة إلى حضوري، أو إقامة هذا المؤتمر نهائياً، إذ أنها توصيات عامة عائمة - بإمكان كل ان يصوغها.

* * *

وفقنا الله جميعاً إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.


 


 
إطبع هذه الصفحة