الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :لنوقف التجارب!
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة الوطن
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/05/1432
نص الخبر :

هنالك مشكلة، بل مشاكل متنوعة ومتفشية في المجتمع وتحول سلبي ملاحظ في سلوك وتصرفات الطلبة والطالبات، داخل وخارج أسوار المدارس، ولكن هذا لا يعني أن كل سلوكياتهم سيئة

في خضم المعارك الجارية اليوم بين ما نصنفه على أنه المذنب أو الضحية في مجال التعليم، لا ننسى أن نبدأ بأنفسنا كمجتمع حاضن، لأننا ساهمنا جميعا في ما نعانيه من فشل المخرج التعليمي من طلبة وطالبات غير قادرين على مواجهة متطلبات سوق العمل أو حتى متطلبات التعليم العالي، أفليس من المفترض والمطلوب أيضا أن يبدأ الأمر من الأهالي من حيث متابعة التغذية والنمو الصحي والنفسي وأن يقوموا أيضا بالتأكد من أن أبناءهم في جاهزية تامة لتلقي العلم كل يوم يأتون فيه للمدارس بنشاط لا يشوبه الإرهاق أو النعاس؟ وفي حال ما إذا حصل نقص في جانب التغذية، أفليس من الواجب حينها على المدارس أن تتدارك ذلك عن طريق توفير على الأقل وجبة يوميا؟ فنحن نعرف كم من الأسر التي لا يتم فيها توفير ذلك إما عن عدم قدرة وإما عن جهل في المتابعة، فوجبات الأكل السريعة والمنتشرة ليست بالطبع أكلا صحيا ولا تعتبر أبدا وجبات صحية، وهل ننسى دور القطاع الخاص والإعلام في تحويلنا إلى مجتمعات استهلاكية مادية! وفي مجال التربية والتعليم سرنا بسرعة ثم أبطأنا الخطى حتى كدنا نزحف زحفا، والآن نسير بسرعة مهولة تشوش على الجميع أكثر من أن تساعدهم على التركيز والتقييم لكل خطوة، وبعد هذه المقدمة، أستطيع أن أقول إن المجتمع بأكمله هو المتهم في الفشل.
نعم، لا أحد ينكر أن هنالك مشكلة، بل مشاكل متنوعة ومتفشية في المجتمع وتحول سلبي ملاحظ في سلوك وتصرفات الطلبة والطالبات، داخل وخارج أسوار المدارس، ولكن هذا لا يعني أن كل سلوكياتهم سيئة، إنما لنقل إنها مُضَلّلة بشكل رهيب، لا تخضح للمراقبة والتوجيه الصحيح، مجهودات ضائعة على أشياء في كثير من الأحيان أقل ما يقال عنها أنها سخيفة، وهنا أعني، الأجهزة الإلكترونية المتنوعة والدائمة التغيير والتطور، التي باتت تعتبر لدى الكثير على أنها أساسية في الحياة الاجتماعية، في حين أنها تجهض أي توجه نحو قضاء أي وقت سواء كان كميا أو نوعيا، من أجل النمو والتفاعل المعلوماتي الأكاديمي، سواء كان ذلك داخل أو خارج الصف، إنها برأيي انغماس كلي في عالم افتراضي، بل أستطيع أن أسميه توحدا إلكترونيا، يحرم الطالب من الملاحظة والتركيز على البيئة التعليمية الحقيقية من حوله، خاصة في ناحية التواصل الواقعي حتى بات التواصل في غالبية أوجهه يتم عن طريق الرسائل التي تحتوي غالبيتها على قص ولصق، وهذا إن لم يكن مجرد تجميع كلمات للغة جديدة بأحرف مهجنة من العربية والإنجليزية، أو ما شابه ذلك!
هنا يكمن قلب وأساس فشل أولياء الأمور ممن يعتقد بل يؤمن بعبقرية ابنه فقط لأنه يستطيع أن يرسل رسالة قصيرة وبنفس الإبهام بعيد إرسال إيميل وهو يحرز انتصارا بعد انتصار في لعبة معينة على نفس الجهاز، ولكن هل يستطيع هذا الابن أن يجمع أو يطرح أو يضرب دون الرجوع إلى آلة حاسبة، هل يستطيع أن يقرأ دون التأتأة والتوقف في أي مكان متغاضيا عن كل علامات الترقيم، أن يكتب جملة مفيدة دون مساعدة المدقق اللغوي والإملائي، بل هل يستطيع أن يفهم صفحة من كتاب دون أن يكون أمامه ملخص أو تلوين للأسطر أو إشارات إلى النقاط الهامة؟! نعم قد نكون أوصلنا الفرس للنهر، ولكن هل سيقوم الفرس بالشرب أم أنه سوف ينتظرنا لكي نملأ الأكف ونسقيه، هذا إن كان في الأصل يريد أن يشرب؟!.والتعليم يا سادة ليس في الملخصات ولا في مقاطع القص واللصق، التعليم في التمكن من مهارات القراءة، فكم واجه الكثير من صعوبات في النجاح ليس لعدم معرفة الإجابة بل لنقص في مهارات القراءة أو الفهم، ومن أين نأتي بهذه النوعية من القراءة؟ أليست من الكتب؟
ماذا يجري اليوم؟ غيرنا المناهج، وأخرجنا الكتب الملونة التي تعج بالمعلومات، وعملنا على بناء ما يسمى بيئات تعليمية قائمة على استخدام أحدث أدوات التكنولوجيا، ثم نرى أن الملخصات ما زالت منتشرة، وأوراق التدريبات والأسئلة التي تحتوي على نماذج مما سيأتي في الامتحان توزع، تحديد للصفحات التي تسمى الهامة والشطب على بقية الصفحات، نقول تعلم ذاتي قائم على أساس الممارسة والبحث، ونرى تعليما يشجع على النقل دون استخدام العقل، تعليم ما زال تحت رحمة المدرس الخصوصي، تعليم شد البساط من تحت مدرس الفصل ليصبح الطالب المتحكم بما يريد أن يدرس وما لا يريد أن يدرس، حتى إنه يعلم مسبقا أنه في أغلب الأحيان أنه ناجح .. ناجح.. ولو بأقل نسبة، تجمع له العلامات ثلاث من هنا وأربع من هناك وفي النهاية يأتي المدير ويضيف خمسا، ويتم المراد! ويعلم تماما ما يمكن أن يحدث في حال الغياب المتكرر، أو ما يحق أو لا يحق للأستاذ أن يعاقبه عليه ولأي درجة، فتجد أن البعض وصل به الحد أن يتصرف داخل الصف بكل استهتار! هذا ومن جانب آخر أصبحنا نسمع أسطوانة جديدة من شكاوى الهيئة التعليمية، منهم من يعاني من كثرة التعميمات المقيدة لأي إبداع أو تحرك حسب رؤية المعلم بما يصلح داخل جدران القاعة التعليمية، ومنهم من لا يعلم أصلا المراد من كل التغييرات ولا كيفية التعامل معها، فيلجأ لاستخدام طرقه التقليدية القديمة معها، تماما كمن يستخدم فرسا من أجل التحرك بسيارة!
وفي النهاية أعيد ما قلته من قبل، ليس لدينا معلم فاشل، بل لدينا نظام فشل في أن يصل لهذا المعلم من ناحية البدء بانتقاء القادة التربويين من المتقدمين لهذه المهنة، ومن ثم التأهيل والتدريب المستمر، وفي جعل المتابعة والتقويم عمليتين ترتكزان على مجموعة من خانات تعبأ في أوراق وتقارير تتبع في الكثير من الأحيان الرأي الشخصي للمتابع، وفي التركيز على الناتج من نسب النجاح والسقوط لدرجة أننا نسينا النوعية والتفاوت بين الطلبة ونسب التقدم ما بين قدرات ومهارات، فلنتوقف عن تبني التجارب التي تُقذف نحونا من حملة الدكتوراه، (وأنا من ضمنهم)، ولنعد التعليم إلى أيدي الأكفاء من المعلمين والمعلمات، لنعد لهم الملاعب ولنتفرج على روعة الاحتراف الذي أخرج لنا يوما أدباء وعلماء وقادة.. معادلة لامس تاريخنا نتائجها فلماذا نهملها ونجري وراء كل غير مضمون من الحديث لمجرد أنه حديث؟!

ميسون الدخيل    

 
إطبع هذه الصفحة