الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :وصل الأمر إلى حاويات القمامة!
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة الوطن
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/03/1433
نص الخبر :

كيف لنا أن نغمض أعيننا في الليل وأبناء لنا في الخارج لا يستطيعون النوم من شدة البرد فهم لا يجدون ثمن التدفئة، كيف نشبع ومنهم من يكتفي بتفاحة واحدة يوميا، بل منهم من أصبحت حاويات القمامة مصدر غذائه؟

الذي أعرفه أن لكل فرد منا أحلاما ترواده بخصوص فلذات كبده، ومن حق أي إنسان أن يسعى من أجل أن يتحصل أبناؤه على أفضل ما يقدم من تعليم وبناء المستقبل، في الماضي كان الحلم أن يتحصل الابن على الشهادة الثانوية التي من خلالها كانت تفتح كل الأبواب، في فترة الاستعمار في بلدان كثيرة من أمتنا العربية، كان التعليم فقط لأبناء الذوات وأما الطبقات الأخرى فلم يكن يسمح لهم حتى بالاقتراب من مؤسسات التعليم، إيمانا بأنهم أصلا لا يصلحون لذلك، تماما كما كانت فلسفة أفلاطون بأن الأحرار هم من لديهم القدرة على التفكير والتعلم، أما العبيد فلا مجال أمامهم سوى المهن اليدوية التي لا يمكن لإدراكهم المحدود سوى التعامل معها فقط، ولقد أثبت التاريخ والخبرة الإنسانية أنه كان على خطأ وأي خطأ! لقد تغير الزمان وتطورت الفلسفة التربوية، ولكن للأسف ما زال لدينا من يعتقد أن هنالك من يستحق وهنالك من لا يستحق! أناس وضعوا في وظائف مفصلية تتحكم بمصائر الناس وأبنائهم.
قرأت مرارا عن معاناة الذين يذهبون على حسابهم الخاص أو بالأحرى على حساب أهلهم إلى الخارج للتعلم، كتب عن ذلك الكثير من الزملاء والزميلات من الكتاب هنا في هذه الصحيفة وفي صحف وطنية أخرى، ولكن يبدو أن الصوت لم يصل بعد، بل إن المعاناة في ازدياد، وأبناؤنا يصرخون: "أغيثونا"، وعلى ما يبدو لا يصلنا سوى "نا"، بينما بقية النداء تضيع فيما بيننا وبينهم من مسافات بعيدة، كيف لنا أن نغمض أعيننا في الليل وأبناء لنا لا يستطيعون النوم من شدة البرد ولا يجدون ثمن التدفئة، كيف نركب المواصلات وهم يقطعون المسافات سيرا على الأقدام وفي عز البرد من أجل توفير ثمنها، والذي يقهر فعلا كيف نشبع ومنهم من يكتفي بتفاحة يوميا، بل أفظع من ذلك منهم من أصبحت حاويات القمامة مصدر غذائه؟! وماذا عن أهلهم الذين كانوا يعتقدون بأنهم سوف يضمون إلى البعثة خلال ثلاثة أو ستة أشهر، فمنهم من رهن، ومنهم من باع سيارته، ومنهم من اقترض، ومنهم مازال يدور على الأقرباء يطلب العون! وسوف يقول قائل: ومن أجبرهم على ذلك؟ بمعنى "مد لحافك على قد رجليك"، أجيبهم لأن لديهم أحلاما، لأنهم يريدون الأفضل، لأنه كان لديهم أمل بأن أبناءهم سوف يضمون للبعثة، وخاصة أن ذلك لن يحدث أي ضغط مادي على دولة تمد يدها لكل محتاج من دول أخرى في السراء والضراء، فهل يخطر على بال أحد أن ذلك لن يشمل أبناءهم، أبناء الوطن؟!
إنهم هناك يعانون، ويساندون بعضهم بعضا، بالكلام وبالمواساة، فليس لديهم أكثر من ذلك ليقدموه، ونحن هنا مشغولون من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الحديث، بكيف نعاقب هذا ونجلد ذاك، ومن يجب أن يموت ومن يجب أن يبقى حيا، بل أصبح كل من لا يفهم "بالباذنجان" يفتي فيه ويضيف إلى اختصاصه "البندورة والخس"، فمن لا رأي له أصبح يعترض، ومن لا فكر له أصبح يُنَظِّر، ومن لا قضية له أصبح يختلق قضية من أجل الشهرة والانتشار، ونترك قضايا مهمة ومصيرية تحتاج إلى حلول فورية، تأكل أصحابها كما ستأكلنا إن لم ننتبه!
هؤلاء الشباب إن عادوا إلى أرض الوطن ولم تُحقق أحلامهم فسيعودون محبطين، والله أعلم بيد من سيقعون، وإن سلموا من هذا فهل سيسلم المجتمع ممن سيضعف ويتهم المجتمع بضياع مستقبله ويبدأ بالانتقام؟ وهل المجتمع مستعد أن يتعامل مع المشاكل النفسية للبعض الآخر منهم؟ وإن ضموا إلى البعثة بعد هذه التجارب القاسية، فهل نضمن أن جميعهم سينسون ما جرى لهم؟ ومن سيكون ضحية من سعتبرونه المسؤول ووجب عليه دفع الثمن؟ أليس نحن؟ المجتمع الحاضن! وماذا عن أهلهم؟ هل سيبقون في نفس المستوى الاجتماعي أم سينتقلون إلى مستوى أقل، يئنون تحت الديون وخيبة الأمل وفوقها يراقبون بكل حسرة وأسى فلذات أكبادهم يتلاشون شيئا فشيئا أمامهم وهم عاجزون عن المساعدة!
هل رسمت صورة سوداء؟ كلا لم أنقل سوى الواقع الذي يعيشه بعض أبنائنا في الخارج ممن ينتظرون أن يُنظر في أمرهم، فلا توجود قوانين أو شروط لا يمكن أن تراجع أو تخفف رحمة بهم وبأهاليهم، فنحن ولله الحمد ننتمي إلى دولة لديها ما يغطي ذلك وأكثر، نعمة من رب العزة، ولكن، وهنا أكرر، هنالك أفراد في مراكز مفصلية ممن يعتقدون أن هذه النعم لبعض الناس وليست لكل الناس، وستظل أقلامنا تلاحقهم حتى تحل القضية، أو ربما سوف ينتقل النقد إلى مسطح آخر... وهنا لا أعتقد بأن الأمر سيعجبهم.

ميسون الدخيل        2012-02-20 11:23

 
إطبع هذه الصفحة