الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :أيهما الأكثر أهمية: الدراسات العلمية أم الأدبية؟؟
الجهة المعنية :التعليم العالي
المصدر : جريدة الجزيرة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/10/1433
نص الخبر :


د. فوزية البكر


ركزت جامعات العالم الثالث ومنها جامعاتنا المحلية على التوجهات
والدراسات العلمية وأهملت إلى حد كبير التخصصات في العلوم الإنسانية باعتبارها لا تؤدي نتيجة علمية على الأرض، كما رأت ان من يدرسون العلوم لا يحتاجون جرعة ثقافية أو فلسفية. وحين نقول التخصصات العلمية فهي واضحة ويقصد بها...

.... كافة التخصصات العلمية والطبية الهندسية لكن حين نقول الإنسانية فيه ليست على هذه الدرجة من الوضوح ومن ثم يجب أن يفهم قارئنا اننا لا نقصد بالأدبية مدارس شرعية محددة، بل نعني كافة التخصصات في التاريخ والجغرافيا والاجتماع والأنثربويلوجيا والتربية وعلم النفس وعلم الاجتماع التربوي (علم دراسة الظواهر التربوية في بعدها الاجتماعي) وغير ذلك من العلوم الانسانية المهمة.

هذه الأهمية التي تضعها المؤسسات العلمية في العالم الثالث تحديدا لذوي التخصصات العلمية هي ما همشت أهمية التخصصات الأخرى فالمهندس يخرج من معمله باختراع بسيط لتعديل مسطرة ما تستخدم في أحد القياسات فينظر إليه كمخترع في حين يخرج أستاذ التربية ليتحدث حول العوامل الفلسفية التي تؤثر في عمل المعلم.. فمن تتوقعون أن تصل رسالته أسرع للجمهور؟؟؟

في المقابل لا يضع ذوو التخصصات العلمية قيمة كافية للبعد الانساني أو الفني أو الأدبي في ما يدرسونه بحيث لا يقدم لهم عبر المناهج أية جرعات ثقافية أو فلسفية أو فنية بحيث يتوارى هذا البعد في دواخلهم وممارساتهم فلا يتمكنون في كثير من الحالات إدراك اثر هذه المعارف في الثقافة والتاريخ الانساني.

أيضا لا يقوم معظم الباحثين في التخصصات النظرية بأية جهود حقيقية صادقة في مجال البحث العلمي. البحث العلمي كما يرونه موجها فقط للحصول على الترقية وهو يميل إلى التقليدية والوصف ويبتعد قدر الإمكان عن التجربة والميدان وبذا فالبحث العلمي لا يسعى إلى الإجابة عن سؤال يحتاجه ممارس في الميدان، وهذه اول اخطائنا كمشتغلين في العلوم الإنسانية. المؤسسة التربوية مثل المدرسة مثلا يجب ان تكون المعمل الحقيقي الذي يجب ان تعمل فيه كليات التربية وتبني عليه معاملها وتجاربها وليس ما يحدث الآن حيث الكليات مجرد مؤسسات تعليمية تدرس الطلاب وتدربهم على التدريس ولكنها لا تنزل إلى الميدان الا لتدريب طلابها ولا تعمل بجانب المعلم في فصله فترعى العمليات العلمية والمعرفية وتجيب عن تساؤلاته وتخترق عالما جديدا من المعرفة عبر الدراسات التطبيقية والتجريبية التي تساعد على تحسين عمليات التعلم كما يجب لها ان تكون.

أنادي من هذا المنبر بضرورة تطبيق المعايير الطبية والعلمية (أي تلك التي تطبق في المستشفيات والكليات العلمية والهندسية) على الكليات الإنسانية في مجال البحث العلمي إذا ما أردنا للبحث العلمي فيها ان يثمر وذلك عبر الآتي:

أولاً: النزول للميدان أي ممارسة العمل فعلا كما يفعل الاطباء والمهندسون وغيرهم: أساتذة الجامعات في التخصصات المختلفة الإنسانية مثل أصول التربية والإدارة المدرسية وتعليم الكبار والمناهج و اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والاجتماع ليسوا جزءا من الميدان الذي يدرسونه مثل الأطباء مثلا والذين يمارسون عملهم وسط مرضاهم مباشرة بحيث يسهل طرح الأسئلة حول حالة مريض وتجربة علاج ما وكتابة نتائج البحث. لا توجد هذه السهولة التطبيقية للأسف في التخصصات الانسانية.

ثانيا: العمل ضمن فرق بحثية تقاد بواسطة الأكفاء بغض النظر عمن هم هل هو رئيس القسم أو المندوب من وكالة البحث العلمي في الجامعة. فكرة البحوث العلمية هي قيام فريق متكامل من باحثين مساعدين ومعيدين ومحاضرين وطلاب دراسات عليا ومن تخصصات مختلفة: التربية والاجتماع والجغرافيا واللغة وغيرها بمشاريع علمية تخدم القطاع المهني الذي ندرسه نظريا. هنا يصبح البحث العلمي وظيفة حقيقية للقسم الأكاديمي ومعملا تدريبيا لكافة طلاب الدراسات العليا الذين ينخرطون مع كل الاساتذة وليس مشرفهم فقط لتتبع نتائج الدراسات الميدانية المختلفة.كلية التربية في جامعة هارفرد لها تجربة عريقة في هذا المجال وهي على استعداد للتواصل مع أي قسم يرغب في وضع خطط بحثية حقيقية تجمع اساتذة وطلابا وتنزل للميدان لإجراء بحوث حقيقية حول ما يحتاجه المعلمون في فصولهم مثل لماذا يتعلم اطفال القراءة بشكل اسرع من اطفال آخرين في نفس الفصل ومع نفس المعلم؟ ما هي علاقة الدماغ بالعقل وما الفرق بينهما وغير ذلك من عشرات التجارب التي تجري الآن هناك.

لدينا هنا في المملكة حالة علمية مبكية فالأقسام في مجالسها وكليات الدراسات العليا تعمل جهدها على التأكد من الا تختلط البحوث والعلوم بعضها ببعض وألا يقترب الباحثون من بعضهم عندما يتقدمون طالبين موافقتها على خطط رسائلهم. فأصول التربية مثلا يجب ان تبحث في مواضيع محددة وعلم النفس كذلك والمناهج ولا يعرف شيء يسمى (ملتي ديسبلنيري ستديز) (الدراسات المختلطة في التخصصات المختلفة) مع انني لا اعرف كيف لنا مثلا ان نفهم كيف يتعلم عقل الطفل اللغة العربية بطرق ابداعية اذا لم يشترك قسما اللغة العربية والمناهج وأيضا علم النفس وهكذا؟ هذا التوجه هو ما يقود معظم الدراسات العلمية وفي كافة الحقول في معظم الجامعات العالمية. اليوم ما عدانا وغيرنا طبعا من الدول الضعيفة في مسيرتها البحثية، كما أنه هو الطريق إلى تنويع مناهج البحث المختلفة والارتفاع بمستوي الدراسات وتبادل الخبرات.

لماذا اقول كل ذلك: لأذكر بالنقاش الذي يدور منذ الأزل حول ايهما أكثر أهمية وقيمة التخصصات الانسانية مقابل العلمية أو العكس. لا يضرنا مناقشة الأمر والاعتراف بقصور الطرفين فكل يرى ان تخصصه هو الأكثر أهمية؟ العلمي لا يقيم وزنا للأدبي ولنا مثلا ساطعا كالشمس وهو ما حدث في مسيرة جامعة الملك سعود على سبيل المثال في السنوات الأربع الأخيرة التي عملت بكل جهد لتشجيع وتطوير الباحثين في التخصصات العلمية والهندسية من اجل الحصول على الاعتماد الأكاديمي لكنها لم تضع ولا 10% مما يوازي هذا الاهتمام للتخصصات الإنسانية بحيث لم نر تقدما فعليا في هذه المسارات وسيطرت الأدلجة والتحزبات الفكرية والعرقية على معظم الأقسام الأكاديمية الإنسانية لتحدد مسارات البحوث وسبل دعمها المالية.

لن تتمكن التخصصات العلمية من التقدم دون أن تعلم طلابها مناهج فلسفية ومنطقية وتربوية وأدبية تساعدهم على تأمل ما حولهم والاستمتاع به ولن نتمكن نحن في التخصصات الإنسانية من الوصول إلى المجتمع وإقناعه بأهميتنا حتى نتبنى منهجا علميا في التفكير والبحث ونعمل بجد على ربط خبرتنا وتهيئة مناهجنا ودراساتنا العلمية لنجد حلولا واقعية للعاملين في الميادين التي نشتغل بها كمهنيين وحتى يحدث ذلك لتتأمل كل جامعاتنا المحلية ودون استثناء المجموعات البحثية فيها وتراجع المشاريع المقدمة لها سواء للأقسام أو ما يسمى بمراكز البحوث أو الكراسي البحثية لنعرف ان 90% من هذه المشاريع تهدف للحصول على المال وليس تقديم حل أو اكتشاف في حقل المعرفة لا علمية ولا إنسانية!

 
إطبع هذه الصفحة