الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :المملكة في ميزان التاريخ
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 30/04/1434
نص الخبر :
المملكة دولة شاسعة ممتدة مترامية الأطراف تكاد تمثل قارة بتنوعاتها الجغرافية والمناخية والجيولوجية، ولا شك أن ذلك أضفى عليها زخما سياسيا وإنسانيا وحضاريا وثقافيا، إضافة إلى الإرث التاريخي باعتبارها مهد رسالة الإسلام وأرض الحرمين الشريفين. وقد حباها الله بالثروات والموارد مما جعلها واحدة من الدول الأسرع نموا في العالم خلال عمرها الذي يقدر بثمانين عاما، كما أهلها إلى الانضمام لمجموعة العشرين التي تمثل منتدى عالميا للدول التي تمثل ثلثي التجارة العالمية و90% من الناتج العالمي الخام. وفي المقابل فقد عانت المملكة منذ تأسيسها من الكثير من الهجمات المسعورة عبر وسائل الإعلام المختلفة وبخاصة في ظل وجودها داخل منطقة كانت تعاني ولم تزل من قلاقل سياسية وصعوبات اقتصادية، فالكثير منها يحاول تصدير أزماته إليها من خلال نثر بذور الفتن وتأليب الرأي العام وإثارة الفوضى. إن تلك الأنظمة العدائية على اختلاف تصنيفها من حكومات ومنظمات يحركها إما فكر ثوري همجي أو أحقاد نابعة عن أطماع سياسية واقتصادية للسيطرة على مواردها وثرواتها وتميزها الإقليمي والدولي، ذلك أن تلك الأنظمة لم تقدم شيئا لشعوبها بل على العكس فقد قامت بإقحامهم في صراعات دموية استنزفت الأخضر واليابس وأهلكت الحرث والنسل.
إن الحملات المسعورة تبحث عن الحوادث الفردية وتضخمها لتجعل منها ظاهرة منتشرة وتجعل من الوضع الاستثنائي قاعدة عامة، بصفة شخصية يحزنني ذلك ولكنه لا يؤرقني فلا أحد ينكر وجود حوادث من كل الأنواع بالمملكة من قتل أو سرقة وفساد وغيرها، ومن يدعي غير ذلك فهو مخطئ، لكنها سمة الحياة الدنيا فالشر موجود منذ بدء الخليقة وسيستمر إلى أن تقوم الساعة وفي كل مكان، لكن الأمور لا تحسب بهذه الطريقة ولا ينظر لها بتلك النظرة القاصرة، فالتنمية بالمملكة يجب مقارنتها بشكل رأسي وأفقي، ما كانت عليه المملكة وقت تأسيسها وما هي عليه الآن كما يجب مقارنتها بالدول النامية الأخرى، ما أنجزته المملكة في ثمانين عاما وما أنجزته تلك الدول خلال نفس الفترة، كيف تحولت المملكة من واحات لبدو رحل إلى مدن صناعية. كما يجب أن ننتبه إلى أن سرعة التغيير تعتمد أيضا على ثقافة المجتمع ذاته، لذا نجد بعض الدول أسرع حركة في النمو من غيرها لأن ثقافاتها منفتحة، وذلك بخلاف المجتمع المحافظ الذي لا يتقبل التغيير بسهولة، كما أنه لا يتقبل أى نوع من التغيير أيضا.
تعتبر المملكة من أكثر الدول إنفاقا على التنمية وخاصة في العقد الأخير، وبطبيعة الحال تعد مكونات ومخرجات التنمية السريعة أكثر وأشد تعقيدا من غيرها، وهذا ما يحاول البعض ربطه دوما بمصطلح الفساد، فحجم الإنفاق على المشاريع وخاصة للدول التي ترغب بسرعة الإنجاز دائما أعلى من أرقام الإنفاق في الدول الأخرى، ذلك أن الدولة تحاول شراء الوقت في كثير من المشروعات ناهيك عن اتساع حجم المشاريع. إن حجم الإنفاق وما يتبعه من تعثرات في العملية التنموية لدولة شاسعة كالمملكة لا يمكن مقارنته بالدول صغيرة المساحة، حيث تتناسب الإنجازات وقدر المشكلات ودرجة تعقدها مع مساحة البلد وعدد السكان ووضعه النسبي الإقليمي والدولي. أتمنى من كبار السن من العقلاء العودة بذاكرتهم للوراء ليقصوا على أبنائهم وأحفادهم كيف كانت المملكة في صغرهم وكيف هي الآن، مقارنة عادلة لجميع المرافق الحكومية، وسائل النقل، شبكات الطرق، المرافق الصحية، الاتصالات، الجامعات وغيرها.
لو أردنا أن نعرف أين نحن فعلينا أن نعرف أين كنا قبل ذلك، وإن أردنا المقارنة مع غيرنا يجب أن نجري مقارنات علمية، مقارنات تشمل الكثير من المتغيرات، فتجاهل متغير واحد في تلك المقارنة يعني أننا نظلم أنفسنا وننسف جهود الآخرين مما يحولنا إلى مجتمع جاحد، يجب أن ننظر دوما لعمر الدولة، مساحتها، معدلات نموها السكاني، مدى التغير في عدد وطبيعة المدن والقرى والهجر، ثقافة المجتمع ومدى تقبله للتغيير، الظروف الإقليمية التي مرت بها الدولة، وكذلك عنصر الدخل فالطفرة الاقتصادية لم تكن ثابتة ودائمة خلال الثمانين عاما من عمر الدولة فهي تتغير بتغير الاقتصاد العالمي. فلننظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس بدلا من الجزء الفارغ لنستلهم الأمل وننظر إلى غد مشرق.
dr.mufti@acctecon.com

 
إطبع هذه الصفحة