الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :مشاعر مفتوحة وعقول مغلقة
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة الوطن
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/05/1434
نص الخبر :

مشاعر مفتوحة وعقول مغلقة

ميسون الدخيل    
أكاديمية في جامعة الملك عبدالعزيز


أصحاب العقول المغلقة تجد أن أفواههم مفتوحة والكلمات تتدفق منهم كالغدير.. ركّز معه وستكتشف أن جل معلوماته اقتصرت على مرجعية واحدة، وبالتالي ستجد أن انفتاحه على الآخرين يكون إما من خلال التظاهر المبطن، أو الإقصاء الفاضح!

لا يمكن أن نقول إنه يوجد إعلام محايد، لأن كلا له وجهة نظر أو أجندة أو يتبع مدرسة فكرية معينة، المشكلة ليست هنا، فكل له الحق في أن يقدم ما لديه، ولكن ضمن احترام معايير ميثاق شرف مهنة الإعلام؛ أي أن يقدم الوقائع كما هي ومن ثم يعمل على توضيح الأسباب بالحجة والدليل المنطقي والموثق، بمعنى آخر مخاطبة العقل لا إثارة المشاعر وتهييج العامة لضمان اصطفافهم وتأييدهم.
ولا يمكن لهم النجاح في ذلك إن لم تكن العقول التي يتعاملون معها قد تم تدريبها وتهجينها على اتخاذ ما تم ضخه من البداية، ومن ثم العمل على إغلاق كل منافذ التفكير، بل وضع الختم عليها، بحيث لا تتقبل أي رأي آخر، بحيث تعتبر كل من يقدم لها وجهة نظر جديدة عدوا يجب إقصاؤه ومحاربته.
ما نراه اليوم أن الكثير منا أصبح يسير بأفواه مفتوحة، بعيون مفتوحة، بأذان مفتوحة، ولكن بعقول مغلقة! في مجتمعاتنا اليوم، ونحن نعيش عصر المعلومات واقتحام الفضاء الافتراضي حياتنا اليومية، يجب أن ندرك أننا أمام تحد هام وحيوي.. هل نحن نستقبل هذه المعلومات بعقول منفتحة تمكننا من دراسة المعلومات بشكل صحيح، أي بعقل ناقد محلل لا يقفز للحكم قبل التحقق والتأكد والمراجعة، أم نسارع إلى التقبل والنقل دون إعمال العقل؟ للأسف الكثير منا أغلق عقله وسلم المفتاح لجهاز تقني يضخ في اتجاهه المعلومات صباح مساء، وأعطاه حق التحكم بقراراته التي أضحت مشوهة وبعيدة كل البعد عن الحقائق، والتي أقل ما يمكن أن يقال عن نتائجها حدوث سوء الفهم، وأخطرها إثارة الفتن والتفرقة بين الناس!
أفضل توضيح وجدته للعقل المغلق هو التالي: تخيل نفسك في غرفة صغيرة، حيث تم إغلاق كافة النوافذ والأبواب، لا يمكن لأي نسيم أو ضوء أن يخترق هذه العزلة، بعد فترة من الوقت سوف تشعر بالاختناق، وقد يصل بك الأمر إلى الهلوسة، بنفس الطريقة، إن تم إغلاق العقل ومنعه من التفكير والفهم والتدبر لكل ما يحمل العالم الخارجي من معان ومعلومات، يصبح المرء ضيق الأفق، قصير النظر قابلا لتقبل أي معلومة تخاطب مشاعره حتى ولو كانت تحتقر عقله! فعندما يكون الإنسان بعقل غير مهيأ للانفتاح على الرأي الآخر، يصعب عليه التكيف بسرعة مع التغيرات وعليه يرفضها، كما يصعب عليه تكوين علاقات مع من لا يفكرون بنفس طريقته، حيث إنه تتجمد عنده القدرات العقلية على التفكير، ولا يتقبل الإصغاء لأي مصدر غير مصادره المعتادة، أو مقارعة أي رأي معارض حتى ولو كان مجهزا بالحجة وبالدليل، وبالتالي يصعب على المرء أن يتجادل مع هذه النوعية من البشر، حتى ولو كان يمتلك كل الحجج والبراهين، وهذا أمر في غاية الخطورة، أي التعامل مع من يرفض الحقائق، ولكن بكل طيب خاطر واستسلام عجيب لديه كل الاستعداد لتقبل الأكاذيب التي قد تصل حد السخافة والسماجة! حاول الحوار معه من وجهة نظره، وبالطبع لن يبخل عليك بما عنده، فكثير من أصحاب العقول المغلقة تجد أن أفواههم مفتوحة والكلمات تتدفق منهم كالغدير، ركّز معه وستكتشف أن جل معلوماته اقتصرت على مرجعية واحدة، وبالتالي ستجد أن انفتاحه على الآخرين أو حتى العالم من حوله، يكون إما من خلال التظاهر المبطن، أو الإقصاء الفاضح!
بالنظر حولنا سنجد في هذا العالم الكثير ممن يريدون التعلم.. يريدون أن يفكروا.. ولكنهم محرومون، ونحن الذين من المفترض أننا تعلمنا... نحرم أنفسنا من التفكير! إن المنطق والتجربة يقولان إننا لن نعرف أي شيء دون أن نبحث عنه أو أن نتعلمه بالطرق الصحيحة، ومن أجل أن نتعلم، علينا أن نكون قادرين على البحث والتساؤل، ولن نستطيع أن نفعل ذلك إذا تم إغلاق عقولنا! بالنهاية إن سمحنا لأي جهة، أي وسيلة، أو حتى أي فرد، كائنا من كان بأن يغلقها، هذا يعني أننا سمحنا لهم بأن يمتلكوا ويتحكموا بمستقبلنا، نعم الماضي قد أُغلق ولكن الحاضر بيدنا، إما أن نجعله يأخذنا إلى مستقبل مفتوح أو يقذف بنا إلى الهاوية... هذا إن كان التفكير ما زال بيدنا! بالنهاية لن نكون أحرارا إلا بالحقيقة... ولا شيء سوى الحقيقة سوف يعطينا القوة، الحقيقة التي نبحث عنها بأنفسنا لا التي تملى علينا... فلنبحث وندرس ونحلل ولنراجع وندقق، ولنتساءل ولنحاسب، ولنتواصل لنبني الجسور التي تهدمت بسبب جهلنا، عندها سنرى الأبواب المفتوحة والأيادي الممدودة بدلا من التجمد وحراسة الأبواب المغلقة!


 
إطبع هذه الصفحة