الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :رسالـة إلى مسؤول
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/05/1434
نص الخبر :

رسالـة إلى مسؤول

لبعض المسؤولين سقف كبير من الطموحات والأطماع الإدارية، والمناصب ــ وخاصة القيادية ــ بالنسبة لهم سلم للعلو والارتقاء، يكادون لا يستقرون على إحدى درجاته حتى يتطلعوا سريعا إلى الدرجة التي تليها، وهو ما يصح أن نطلق عليه النهم الوظيفي، فالرغبة في شغل الوظائف العليا دائما يكاد يتفوق على النهم المادي لبعض البشر، غير أن كليهما يورد صاحبه في المهالك، ففي كليهما ينصب الاهتمام على القشور وتجاهل الفحوى، ويزداد الشعور بالتضخم الذاتي والوقوع في شرك الأنانية المفرطة.
وعادة ما ينبع النهم الوظيفي من الرغبة الدفينة لدى البعض في الظهور والاستعراض، فأضواء الشهرة والرغبة في الشعور بالاهتمام وجاذبية الظهور في المحافل العامة والتهافت المفرط من الناس تسيل لعابهم، ولاشك أن هذه المظاهر لا تخلب إلا لب ضيقي الأفق ممن لا ينظرون إلا تحت أقدامهم، ممن يفتقدون العقل والحكمة وبعد البصيرة وسعة الأفق، فالمناصب دائمة ولكن كل من يشغلها فان، وما يبقى للتاريخ هو الإنجاز والنجاح وحده، ولكن المؤسف هنا أن نجد أن بعض المسؤولين يعتقدون أن الإنجاز أمر شخصي يتمحور حولهم، ويعتبرونه صدى وانعكاسا ذاتيا لهم، ويتناسون أن إنجازات المؤسسة التي يعملون فيها هي تراكم إنجازات سابقة ليست لهم وحدهم، بل إن الأمر يصل في بعض الأحيان إلى أن يلهمهم غرورهم أنهم هم من سيخلدون ذكرى تلك الإنجازات وبالتالي سيخلد التاريخ بدوره ذكرهم! وعندما تدور الأيام ويخرج أحدهم من منصبه ــ وهي سنة الحياة الدنيا ــ فهو حينها يرغب في أن تتحدث الدنيا كلها عنه، ويود لو أن كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة تسخر كافة إمكانياتها وقدراتها للحديث عما قدمه خلال فترة عمله، حتى لو لم يقدم إنجازا يذكر أو أن إنجازاته تعتبر رتوشا لإنجازات ضخمة قام بها من سبقوه.
إن النزعة النفسية المريضة دائما لا تشبع قلوب أصحابها، وكنت أتمنى لو اهتمت هيئة مكافحة الفساد والجهات الرقابية المختصة بسلوكيات بعض المسؤولين الغارقة في المظهرية والولع بالأمور السطحية، فهي عادة ما تكون مؤشرا لخبايا أكثر ضررا، فالمسؤول الناجح هو من يعمل في صمت ويخرج في صمت، والعكس صحيح. ولعل أسوأ مخرجات شخصنة العمل العام هو أن الإنجاز يعد غاية بحد ذاتها وليست مجرد وسيلة لتحقيق غاية أكبر وأكثر شمولية، فما يهم مثل هذه الفئة من المسؤولين هو ماذا قام بتحقيقه هو بصرف النظر عن النتيجة النهائية للعمل ذاته، فالإنجاز إنجازه هو والنجاح نجاحه هو ولا ينسب لغيره، غير أنه من جهة أخرى وسيلة، ولكن ليس وسيلة لتحقيق غاية استراتيجية عليا بل هو وسيلة للحصول على المزيد من المميزات والمكافآت والمناصب الأعلى تقديرا للجهود العظيمة المبذولة!.
لاشك أن مثل هذا النوع من المسؤولين لا يعملون وحدهم أبدا، فلديهم دوما عصبة من المرؤوسين تدعمهم وتؤازر خطواتهم، وهي بالقطع أولى المستفيدين من وجودهم وأكثر المنتفعين منهم، هذه العصبة تمثل شبكة معقدة من العلاقات داخل أي مؤسسة، يصعب اقتلاعها أو حتى محاولة تفكيكها، تجمعها المصالح المشتركة يشجع كل منهما الآخر بغاية الحسم والحماس نظرا لعمق المصالح المشتركة بينهما، وفي اعتقادي أن مثل هذا النوع من الإدارة هو سبب تخلف أي مؤسسة عن مثيلاتها من المؤسسات الناجحة..
يقول الله تعالى في كتابه الكريم (وتلك الأيام نداولها بين الناس) لعل الناس تهتدي أخيرا للحكمة العليا للكون والحياة، فلو دامت لغيرك ما وصلت لك كما يقولون في الحكمة العربية، ولا ينبغي لأحد أن يتكلم عن إنجازاته، بل يدع إنجازاته تتكلم عنه، لأنه سيأتي يوم من الأيام لا محالة وتدور الدائرة على ذلك المسؤول ويغادر منصبه طوعا أو كرها، وعندها ستنكشف الحقائق كاملة، الحقائق التي مهما اجتهد في إخفائها لابد أن تظهر على السطح في يوم من الأيام، وعندها سيكتشف الجميع أن الفقاعة كانت مملوءة بالهواء، وأن الأضواء الباهرة ما هي إلا محض فقاعات، فارغة ومجوفة، وقد علت في السماء بسبب خفتها وفراغها وليس بسبب بريقها أو لمعان ضوئها، في حين أن النبت الطيب يظل في الأرض، ممتد الجذور إلى الأعماق، يروي المجتمع بثمرات إنجازاته، راسخا وعميقا وثابتا.

 
إطبع هذه الصفحة