الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :خليل
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 27/07/1434
نص الخبر :
عندما أصبحنا فوق شارع التحلية من الجنوب استعدادا للهبوط في مطار جدة، كان ارتفاعنا قد وصل إلى حوالى الألفي قدم، وأنزل القبطان ما يشبه «المرزبة» المكية المصغرة على يمين لوحة القيادة لإنزال عجلات طائرتنا البوينج 747. وبدأت إحدى أروع المنظومات الميكانيكية على الإطلاق. كأنها سيمفونية مبرمجة بالتوقيت المحكم الدقة ليؤدي كل من أعضاء فريقها دوره بعناية: أبواب تفتح ثم تغلق... أذرع عملاقة تتحرك إلى الأمام ثم إلى الجوانب... قطع صغيرة تغلق مسار قطع أخرى... كل ذلك خلال فترة زمنية تقل عن فترة تلاوة سورة «الإخلاص» . تأمل في أن عدد عجلات هذه الطائرة هو ثماني عشرة عجلة في خمس مجموعات كل لها أبوابها الخاصة ليدخلها «بيوتها» المحددة: بداخل الجناحين، وبداخل جسم الطائرة، وفي مقدمتها. وتلك العجلات تمتص كميات هائلة من الطاقة: هناك طاقة تحول البوينج من طائر عملاق، إلى مركبة أرضية عملاقة بمعدل نزول يصل إلى حوالى ثلاثة أمتار في الثانية الواحدة، علما بأن وزنها يصل إلى أكثر من ربع مليون كيلوجرام. وهناك أيضا طاقة التباطؤ المخيفة فسرعة الطائرة يجب أن تنخفض من حوالى مائتين وخمسين كيلومترا في الساعة قبل أن تلامس الأرض إلى حوالى ثمانين كيلومترا في الساعة قبل أن تغادر المدرج، وكل ذلك خلال حوالى ربع دقيقة. وللعلم فتتسارع العجلات من السكون إلى تلك السرعة العالية تتم خلال حوالى ثلاث ثوان فقط. وتنتج عن ذلك حرارة كافية لشي أكثر من خمسين تيسا. ويلعب معدن التيتانيوم الدور الرئيس في كل هذا، فهو من المكونات الرئيسة لنظام عجلات البوينج نظرا لخصائصه المتميزة. ويتمتع هذا المعدن بمميزات القوة الهائلة نسبة إلى وزنه، مما يجعله في مقدمة الخيارات في صناعة الطيران والفضاء نظرا لاحتياجات القوة وخفة الوزن في ذلك المجال. وفي حالة طائرتنا البوينج 747 فتستخدم حوالى خمسة وأربعين ألف كيلوجرام من هذا المعدن وبالذات لمحركاتها، وفي عجلاتها التي يفوق وزنها ما يعادل خمس سيارات «لاندكروزر» . وسبحان الله أن بالرغم أنه من المعادن المتوفرة بكثرة على سطح الكرة الأرضية فهو رابع أكثر المعادن شيوعا، إلا أن استخراجه، وتشكيله، وصناعته تتطلب مهارات وتقنيات متقدمة نظرا لقوته، ونظرا لعدم رغبته في التفاعل مع كل من «هب ودب» من العناصر. وبسبب ذلك، فهو لا يضايق أجسامنا. وتحديدا، فعند دخول أي عنصر غريب إلى داخل الجسم البشري تتكون «هيصة» كبرى ليتمكن من خلالها أن يحشد القوات الكافية واللائقة من الخلايا المتخصصة للتصدي للتهديد حتى وإن كان غير ضار. ولكن سبحان الله أن هذا المعدن كأنه يكون «هدنة» مع القوات الدفاعية بداخلنا فلا «غلاسة»، ولا اشتباكات، ولا معارك، ولا حروب. يلعب دور الصديق لأجسام البشر، ولذا فيستخدم بكثرة في حالات لحام العظم المكسور، والمفاصل الصناعية، وجراحة الأسنان.
وهناك المزيد، فهذا العنصر هو الأكثر استخداما في عالم الطلاء لأنه يمنح بمشيئة الله اللون الأبيض الناصع البياض ويلتصق بالمواد المختلفة من الورق إلى البلاستيك والخشب والاسمنت وغيرها. ويستخدم في التسليح أيضا، وفي تخزين المواد المشعة. وقد تم اكتشاف بعض المزايا البيئية لهذا العنصر العجيب ومنها في استخدام الطاقة الشمسية.
وأخيرا فجدير بالذكر أن عند اكتشاف هذا المعدن في إنجلترا بنهاية القرن الثامن عشر تمت تسميته على «تاي تان» Titan وهي مجموعات أسطورية تاريخية كانت تتميز بالقوة الجبارة. وهي أيضا إحدى جذور اسم سفينة «تايتانيك» الجبارة التي غرقت في مطلع القرن العشرين. وأرى أن الاسم الأكثر لياقة به هو «الخليل» لأنه كالصديق القوي: خفيف الظل، ولا يتأثر بالصعاب، ويفاجئك بالخصائص الجديدة المذهلة المفيدة بين كل حين وآخر.
أمنـيـــة
تعجبت عندما علمت أن هذا المعدن يستخدم في صناعة «الحمرة» .. فعندما تضعين بعض المكياج يا أختي القارئة الكريمة قد تكون هناك نسبة من التيتانيوم في أحمر الشفاه. وسعدت كثيرا عندما اكتشفت أن إحدى الشركات الرائدة في مجال تصنيع التيتانيوم في العالم اليوم هي شركة سعودية ومقرها بالقرب من منزلي في جدة مما يزيدني فخرا واعتزازا بالصناعة السعودية. أتمنى أن نتذكر أن المعادن مثل البشر، لكل منها طابعها الخاص في الخير والشر. والله ينير بصيرتنا حيال المعادن والبشر، ومعادن البشر.

 
إطبع هذه الصفحة