الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :إلى أين؟!
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة الوطن
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/02/1435
نص الخبر :

مشاعر الناس، مستقبلهم، أحلامهم، وآمالهم أصبحت عامل ربح وخسارة... زيادة في المتابعين، ارتفاع في نسب البيع أو الإعلانات، تكاثر العروض للظهور على الشاشات. الناس "تيرمومتر" من خلاله يرتفع المرء أو يداس!

أحيانا يشعر الفرد منا بأنه يريد أن ينفجر من الغضب.. من القهر.. من الإحباط، والفوضى التي عمت هذا العالم من حوله: قتل تنكيل، تفجير، حرق، تدمير، تعذيب، اعتداء على المحرمات... وفوق هذا كله جهل وغباء مستفحل، خاصة في تطبيق معايير الحق والخير والعدل.. تجد من ينادي بها لنفسه، لقومه، لعرقه، لمذهبه، لطائفته، أما للبقية.. أي بقية؛ فليذهبوا إلى الجحيم، طالما أنهم يؤمنون بأنهم لا يمتلكون فقط مفاتيح الانتماء والوطنية، بل أيضا مفاتيح الدنيا والآخرة!
حقا العالم لم يعد تلك المساحة المحدودة التي تحتمي بها ومن خلالها تنمو. لقد أصبح العالم بين كفيك، ما عليك سوى أن تضرب عدة مفاتيح وتنتقل بغمضة عين من مدينتك إلى أعماق الأمازون إن شئت.. "إن شئت" وهذه الكلمات هي المفتاح، إن شئت أن تعرف فستجد ألف طريقة وطريقة لتدلك، ولكن أصحاب العقول المقفلة أو المُسيَّرة يكتفون بمن يبحث لهم ويأتيهم بالمعلومة على طبق من فضة. وبما أن العلم "يفرقع ويطرقع" من حولنا دعونا نقل: يأتيهم بالمعلومة على طبق من الرصاص! لا يريدون أن يكلفوا أنفسهم بالبحث في جميع الاتجاهات أو مختلف المصادر.. يكتفون بما يقع بين أيديهم ليحملوه ويطيروا به بعد أن يكونوا قد أسقطوا ما جاء به على القضية التي ينادون بها أو يدعمونها. وفجأة أصبح الجميع خبراء في كل شيء وفي أي شيء.. من السياسة إلى الطب إلى سفلتة الطرقات، سقراط وأبوقراط والخوارزمي وابن سينا في رجل واحد! لا يصعب عليهم شيء ولا يقف في طريقهم حجر.. كل شيء يطحن طلما يقف عقبة في الطريق!
لم تكن القضايا يوما للتفرقة أو الدمار والهدم.. لم تكن القضايا سوى تحديات لأصحاب الفكر اليقظ الواعي الذي يبحث عن طرق إبداعية للحل من خلال المعالجة الموضوعية، بعيدا عن التشنج والتعصب.. لم تكن القضايا التمسك بمصطلحات حُمّلت بمعان ومفاهيم ألصقت بها من كثرة التكرار، لم تكن القضايا مرتبطة بأسماء لامعة ومشهورة فإن تبنت تبنينا وإن هجرت هجرنا.. وإن عطست عطسنا، نرى ما ترى ونسمع ما تسمع.
مشاعر الناس، مستقبلهم، أحلامهم وآمالهم أصبحت تقاس على أساس أنها عامل ربح وخسارة.. زيادة في المتابعين، ارتفاع في نسب البيع أو الإعلانات، تكاثر العروض للظهور على الشاشات وعبر الأثير.. الناس أصبحت "تيرمومتر" من خلاله يرتفع المرء أو يداس! لم يعد يهم أن نسأل: كم من الخبرة أو العلم أو المصداقية؟ أصبحنا نسأل: كم عدد المتابعين؟!
متى سنستيقظ ونفرق بين من يريد أن يرتقي معنا ويقف بيننا ويشعر بما نعانيه، من يتقبلنا على اختلاف ثقافتنا ورؤانا، من يتحمل عنادنا وتحجر عقولنا.. ولكن ما زال باقيا لم يفقد الأمل فينا... ومن يريد أن يرتقي على أكتافنا، من يريد أن يشعل النيران بيننا ويقف بعيدا ليراقب من ينتصر ليحمل رايته ويقبل عليه فاردا ذراعيه، مهللا مكبرا، وهو يشير للخاسر بطرقه الملتوية بأنه سوف يناصره إن هو أعاد الكرة.. وطالما لا يوجد فكر أو إرادة حرة سيقف منتصبا ليعود لنفس الطريق ويقع في نفس الفخ! من لا يريدنا أن نرى أو نسمع أو نتحدث إلا بمشورته وأمره، وإلا نعتبر ممن خرج عن الصراط المستقيم!
إن لم نستيقظ وندرك أننا أمة واحدة بمصير واحد وعدو واحد، فسيتم تقسيمنا إلى أكثر من مذاهب وطوائف وأعراق.. والله يستر ما هي التقسيمات التي سيخرجون بها علينا، إن لم نستيقظ وندرك أن ما يدمر هي مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا ومشافينا، طرقنا وجسورنا وقبل كل ذلك إنسانيتنا.. تراث، ثقافة، علم، عرق ومجهود أجيال جاءت قبلنا وحفرت في الصخر من أجلنا، ونحن نسلمها للعدو لقمة سيبتلعها ويبتلعنا معها إن استطاع! كل ما أريده أن نلقي نظرة سريعة على الوطن العربي، على الأمة العربية قبل أن يفوت الأوان وتصبح في خبر كان.. ونسأل أنفسنا سؤالا بسيطا: إلى أين؟
 

ميسون الدخيل

 
إطبع هذه الصفحة