الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :الأحلام وسقف التوقعات
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 27/03/1435
نص الخبر :
على الرغم من أن المملكة من أكثر الدول التي تنفق بسخاء على التنمية وبوتيرة متسارعة، إلا أن الجانب السلبي لهذه التنمية السريعة لا يكمن في الدولة نفسها، وإنما يتعلق بسلوك بعض المسؤولين الذين يهرولون من أجل إظهار الثمرة رغم أنهم لايزالون في طور غرس البذرة، ولدي من الأمثلة الكثير والكثير، ولكنني لن أتطرق لها هنا لضيق المساحة.
ربما لا يدرك مثل هذا النوع من المسؤولين السلبيات المترتبة على الفعل، ولعل أهمها افتقاد المواطن الثقة في كلام المسؤولين واكتسابهم بمرور الوقت نوعا من الحصانة ضد الطموح في المستقبل. وتختلف ردة فعل المواطنين تجاه تصريحات بعض المسؤولين، فبينما لا يعيرها البعض أدنى اهتمام نجد أن هناك قلة منهم (وهي الأكثر تفاؤلا) تأخذ الأمر على محمل الجد تماما، ولكنها تفترض دوما وجود عنصري الخطأ البشري أو الظرف الخارجي، حيث يؤثر دوما هذان العنصران على سيرورة أي مشروع ويتسببان إما في عرقلته أو إتمامه، ولكن ربما على نحو يختلف كثيرا عما كان مخططا له من قبل.
أما بالنسبة لي فقد هيأت نفسي دوما على أن أكون متفائلا ولكن بنوع من الحذر، بمعنى أني أفترض مقدما أن جزءا يسيرا من الوعود سيتحقق، فعلى سبيل المثال عندما يطلق أحد المسؤولين تصريحات بأن أحد المشاريع التنموية سينتهي خلال سنتين، أفترض وقتها أنه سينتهي خلال خمس سنوات، وعندما يتنامى إلى مسمعي أن مشروع القطارات السريعة سيربط بين مدن المملكة جميعها فإني أتوقع أنه سيربط بين المدن الرئيسية كجدة والرياض والدمام فقط، وعندما تعلن الخطوط السعودية مشاركتها في أحد معارض الطيران الدولية فإن أكثر توقعاتي تفاؤلا تتعلق وقتها بعقد صفقات لشراء محركات الطائرات أو تحديث لبعض طائراتها المتهالكة وليس شراء أسطول جديد من الطائرات.
عندما ظهر مشروع سيارة غزال للمرة الأولى في العام 2010، استبشر كل من حولي بالمشروع القومي العملاق الذي سيمكن المملكة من إنتاج أول سيارة سعودية، ورغم أن البعض ادعى أنها سيارة سعودية بالتبني حيث إن تصميمها استرالي وإنتاجها ألماني إيطالي مشترك، أما تجميعها فهو سعودي، إلا أن الأصل والنسب ظلا سعوديين! بيد أن الصحف وقتها امتلأت بالفرح والسرور والفخر بهذا الوليد الذي ينتظر ولادته ووصوله لعالمنا بنهاية عام 2013، ولكن اتساقا مع منهجي (التفاؤل الحذر) فقد طمأنت نفسي: لعلها لن تكون غزالا ولكن من الممكن أن تكون قردا، فرغم أن الغزال الصحرواي هو أسرع الحيوانات وأكثرها تحملا لظروف البيئة القاسية، وهو يجمع بين الرشاقة والقدرة على مواجهة الصعاب، إلا أن القرد له مزايا عديدة أيضا، فهو حيوان ذكي سريع يجيد القفز، ولعل السيارة الجديدة ستكون سيارة صغيرة Mini كالسيارات الإنجليزية الصغيرة المعروفة بهذا الاسم، وستتاقفز بسرعة في الطريق كالقرد، وتنهب الأرض نهبا بصغرها اللافت وسرعتها العالية، كما أنني عندما قرأت المبالغ المليارية المخصصة لهذا المشروع أيقنت أن المبتكرين لهذه السيارة القرد سيحققون سبقا إنجازيا صارخا يتمثل في أن هذا النوع من السيارات سيكون موفرا للطاقة، فبدلا من أن تعمل «بالبنزين» خمنت في نفسي بأنها ربما ستعمل «بالموز» وأننا سنسجل سبقا لنا في عالم السيارات بتفردنا بإنتاج هذا النوع من السيارات!.
ولكن طال انتظاري، ومرت الأعوام الثلاثة وانتهى عام 2013 دون ظهور أية بوادر لإنتاج السيارة القرد (الغزال سابقا) وبدأت الكرة ترتد من ملعب جامعة الملك سعود لملعب وزارة التجارة والصناعة، فمن تأكيد جامعة الملك سعود أن مشروع غزال مجرد مشروع بحثي لطلاب الجامعة وأن مهمة الجامعة ليست إنتاج السيارات، إلى تصريحات مسؤولي وزارة التجارة والصناعة والذين نفوا مسؤوليتهم عن عدم إنتاج السيارة بقولهم إن السيارة غير مرخصة ولم يطلب أحد ترخيصها بعد، وخلال هذا المعترك تبخرت حتى أبسط أحلامي في هذا القرد الجميل الذي انتهى بكونه مجرد مشروع بحثي، ولمت نفسي كثيرا على تفاؤلي المفرط وتذكرت المثل القائل «تمخض الغزال فولد بحثا» وليس قردا كما كنت أتصور!.

 
إطبع هذه الصفحة