الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :لنجعل من جدة مدينة للفرح
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/03/1435
نص الخبر :

لنجعل من جدة مدينة للفرح           

لا بد من الاعتراف في البداية بأن إيماني بنجاح أي نشاط سياحي أو ترفيهي عائلي بريء في بلادنا ذبل مع مرور الزمن حتى كاد أن يموت. وذلك لأسباب عديدة تعرفونها ولا مجال لتفصيلها هنا.
ولذلك كنت بحاجة لمن يشجعني على مجرد المرور على بعض فعاليات مهرجان «كنا كدا» في المنطقة التاريخية من جدة بل كنت بحاجة لمن يشدّ أذني إليه لأستجيب لرغبة عائلتي بزيارة المهرجان الذي ذاع صيته وظهرت بوادر نجاحه منذ يوم الافتتاح. وبالفعل فقد تمكن الأستاذ منصور الزامل والأستاذ طلال الخوتاني مستشارا المهرجان وأصحاب «مقعد جدة» من إقناعي بالحضور، ولكن من شدّ أذني كان الأستاذ نبيل الصايغ من هيئة السياحة الذي أكد لي جدّية القائمين على المهرجان من هيئة السياحة والمحافظة والإمارة في إنجاحه وتذليل كافة المصاعب التي اعترضت سبيله.
وبزيارتي للمهرجان في جدة القديمة التي أعرف أزقتها وبيوتها مذ كنت طالبا في مدارس الفلاح التي أوقفها أحد أعظم رجالات التاريخ في جدة وهو (الشيخ محمد علي زينل علي رضا)، سقط من ذهني وربما من أذهان كافة الزوار ثلاثة أوهام، الأول وهم إمكانية النجاح في تنظيم النشاطات العامة والثاني وهم ضرورة إزالة القديم لاستبداله بالجديد، فلو أنفقت المليارات على بناء مدينة تاريخية نموذجية مثل الموجودة حاليا لما بدت مثل جدة التاريخية خاصة تلك البيوت التي اهتم ملاكها بها فرمموها وزينوها. أما الوهم الثالث فهو وهم أننا شعب يعاني من مشكلة أخلاقية وأننا نحتاج دوما لمن يقودنا للفضيلة ويجبرنا عليها. فقد رأيت عائلات من كافة أنحاء المملكة ومن مختلف الفئات والأعمار يتجمعون في مكان واحد وبدا البشر واضحا على كل الوجوه بل إن الشبان والشابات الصغار الذين يمنعون في العادة من دخول المراكز التجارية هم من أعطوا المهرجان رونقه وجماله وبثوا فيه الحياة. والفضل يعود في ذلك بعد توفيق الله لرجال الأمن الذين لم يظهروا في المشهد ولكنهم حافظوا على سلامة الجميع وأمنهم، فالشكر والتقدير لكل واحد منهم كبيرا كان أو صغيرا.
ولكن التساؤل الكبير الآن هو: ماذا بعد؟ والإجابة تكمن في ثلاثة مقترحات كان من أهمها مقترح سبقني إليه الأستاذ عبدالله أبو السمح في «عكاظ» بتفعيل عقد تطوير جدة القديمة لبث الحياة فيها من جديد وترميم بيوتها وتحويلها إلى مركز جذب سياحي على مدار العام بحيث تصبح المهرجانات السياحية فيها إضافة لا حياة مؤقتة تعود بعدها للموت من جديد. ومن الأمثلة التي أعرفها في هذا المجال لمن يبحث عن مرجعية، المدينة القديمة (قملا ستان) وسط (ستوكهولم) عاصمة السويد التي لا تكتمل زيارة المدينة إلا بها والتمتع بالتزاوج البديع في تطويرها بين القديم والحديث.
والمقترح الثاني يتمثل في ضرورة إعادة النظر في منطقة ميدان البيعة والمنطقة المحيطة بمسجد الجفالي ومباني فروع الوزارات التي تشغل مباني تاريخية عريقة يمكن الاستفادة منها بعد الانتقال للمجمع الحكومي تحت التنفيذ قرب مكة المكرمة، فهذه المنطقة الواسعة مترامية الأطراف مهملة بشكل يدعو للرثاء في حين أنه يمكن إعادة تصميمها لتشتمل على مركز حضاري يضم قاعة احتفالات كبرى ومتاحف ومكتبات ومعارض وحدائق ومطاعم ومقاهي ومسرحا ودورا للسينما.
أما المقترح الثالث والأخير فيتمثل في أنه ومع التسليم بحق أهل جدة القديمة (داخل السور) في تعريف أبنائهم وزوارهم بتاريخها إلا أنهم لا يمثلون أكثر من 25 % من سكان جدة الحديثة المترامية الأطراف حالياً، ولكل سكان جدة من مختلف المناطق الحق في الاحتفال بتراثهم الحضاري أيضاً. فجدة مدينة التنوع والتلاقح الحضاري ووعاء الدمج التاريخي للشعوب بصفتها بوابة للحرمين الشريفين. وأكبر دليل على ما أقول هو إن معظم منظمي المهرجان وأكثر المتحمسين له لم يكونوا من أهالي جدة (أيام السور).
ولذلك أقترح تنظيم مهرجان آخر كبير في جدة تحت عنوان (مهرجان الشعوب – Festival of Nations) وهذا المقترح يدور في ذهني منذ أيام الدراسة في أمريكا فقد كانت وما زالت مدينة (سيراكيوز/ نيويورك) تنظم مهرجانا شتويا في المركز الحضاري للمدينة تحت هذا المسمى وكنت كل عام أفاجأ بالتنوع الحضاري الذي يحيط بي في تلك المدينة الصغيرة، فقد كان مهرجانا يشارك فيه الإيطالي والإيرلندي والهندي الأحمر والعربي والتركي والكردي والأفريقي والهندي وسكان من شعوب لم أكن قد سمعت بها. ولقد كان المشرفون على المهرجان يفرحون بمزيد من التنوع ومزيد من الفعاليات.
ولذلك آمل النظر في هذه المقترحات وفي غيرها من الأفكار البناءة التي يمكن أن تحول مدينة جدة إلى مدينة للفرح خاصة أنها مهيأة حضاريا أكثر من غيرها في بلادنا لإشاعة ثقافة الفرح وبث الأمل في النفوس.

 
إطبع هذه الصفحة