الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :الأديب والإنسان حمزة بصنوي وصفحات ناصعة من جيل الروّاد في البلد الحرام
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 26/04/1435
نص الخبر :

عاصم حمدان (*)

* تركتْ وفاة الأخ الكريم المهندس عصام حمزة بصنوي ألمًا وشجنًا وحنينًا، فلقد لقيتُ عند نزوحي إلى البلد الطّاهر في بداية التسعينيات الهجرية رعاية كريمة من الوالد عبدالله بصنوي وأخيه حمزة، وقد كنت أعدّ نفسي واحدًا من أهل البيت؛ رعاية ولطفًا وكرمًا، وأدين بعد رعاية والدي -رحمه الله- في المدينة المنوّرة لهذين الرّجلين بالكثير من الدّروس والعبر التي أعلم أنّ جيل اليوم ربّما اعتبرها ممّا يدخل في باب الأسطورة، أو العلم المفقود الذي دفن مع أهله في ثرى الحجون المبارك ومعلاتها، حيث يرقد جيرة البيت وأهل حرمه في طمأنينة وسلام، فلقد اختارهم المولى لجيرته كما اختار أهل طيبة الطيبة لجيرة مثوى سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
* ولعلّ في مقدمة هذه الدّروس هو طبيعة تلك العلاقة القائمة على الودّ والاحترام بين الأخوين، فكان الشيخ البصنوي، وهو من رفع الأذان من منائر المسجد الحرام لنحو نِصْفِ قَرْنٍ من الزّمن، كان لعراقة أسرته في هذا الواجب الإيماني ولثقافته الدينية والأدبية واللّغوية، ولتقدير أئمّة الحرم المكّي الشّريف، وفي مقدمتهم المشايخ عبدالله خيّاط، ومحمّد بن سبيل، وصالح بن عبدالله بن حميد، هو من يقوم بالتكبير لصلاة الجمعة وفي صلاة العيدين، وكان أخوه حمزة يصعد المقام أحيانًا ليكبّر لصلاة الجمعة، وكنت ألحظ الوالد عبدالله يتأخّر عن مكانه ويتركه بأريحية لأخيه حمزة، الذي ما إن تنتهي الصّلاة حتّى يبادر أخاه الأكبر بالتجلّة والاحترام، وكان -رحمه الله- يقدّم أبناءه، وفي مقدمتهم اللّواء إبراهيم، على أنّهم أبناؤه كمحمّد وإخوته.
* واليوم بعد أن رحل عصام عن دنيانا، ولاقى وجهًا كريمًا، كما رحل كثير من الأحبّة، وتلك سنّة الله في خلقه، فقد حكم على العباد بالفناء، وجعل الدوام والأزل والبقاء من صفاته البعيدة عن كلّ شبه ومثال.. في هذه اللّحظات المترعة بكثير من الأسى والحزن، اجتزئ مقالة ضمّنتها كتابي "أشجان الشّامية"، الذي كان للصديقين الأديب الأستاذ محمّد عمر العَامُودي، والزميل الدكتور راكان حبيب دَوْرٌ تشجيعي في نشره قبل نحو عقدين مِنْ الزّمن، وأعاد ملتقى الأحبّة مشكورًا طباعته ثانية في عام 1431هـ.
* وهذه المقالة الأثيرة إلى نفسي، والتي أعيد نشرها وفاءًا وتذكّرًا، كانت رثاءً للأديب حمزة بصنوي، والذي توفّي عام 1406هـ، وكتبتها آنذاك في بلاد الغربة، في مدينة مانشستر البريطانية، فرحم الله عصام وأبا عصام.
* إن تكن كلمة أديب تعني مجموعة تلك الصفات الفكرية التي تتوفّر في شخصيّة معيّنة، تتهيّأ لها ظروف المشاركة في البناء الثّقافي للمجتمع الذي تعيش ضمن إطاره، فهو وصف ينطبق على هذا الشّخص المرثي، الذي أردت أن أخصّه بالقليل الذي لا يشمل كلّ جوانب تلك الحياة الإيجابية، التي لم يكن فيها فقط أديبًا بهذا المعنى المتداول الذي يتسارع عند سماعنا للكلمة نفسها، وهو - بلا شك - ربط طبيعي ومنطقي لا جدال فيه، إلا أنّ الصّفات الفكرية وحدها لا تكفي في كثير من الأحيان أن تكون المقياس الوحيد الذي ننظر من خلاله لأصحابها، وفي تاريخ الأمم رجال لم يؤلّفوا كتابًا أو يدبّجوا مقالات، ولكنّهم تركوا في مجتمعاتهم آثارًا حميدة بما رسموه من منهج إنساني أو خلّدوه من عمل مبارك.
* إنّ أولئك الذين يقفون أمثلة شامخة في حياتنا، إنّما يستمدّون ذلك الشّموخ من الصّفات الإنسانية التي يتحلّون بها، والتي تترك آثارها البعيدة في نفوسنا، فلا نملك إزاءهم غير هذا الإعجاب، الذي هو إحساس يتعمّق دواخلنا، وكم يعجز العقل أن يعطي تفسيرًا لما يعتمل في نفوسنا من شعور، أو ما تقدم عليه ذواتنا من مسلك.
* لقد عرفت الأستاذ حمزة بصنوي - رحمه الله - في مكّة المكرمة في حيٍّ تقرب أرجاؤه من بيت الله الحرام. لقد عرفته في حيِّ الشّامية، وفي دار أخيه العامرة الشيخ الفاضل عبدالله - رحمه الله - ، وكنت أستمع إلى أحاديثه العذبة في شؤون شتّى، منها ما يتعرّض لأحوال الفكر، ومنها ما يتجاوز الفكر إلى الأدب، ومنها ما هو اجتماعي فقط، وفي كلّ تلك الشّؤون والشّجون ما رأيته قطّ يحتدّ؛ بل كانت أحاديثه مصحوبة بابتسامة عذبة تومئ إلى تلك الرّوح السّمحة التي كان يتمتّع بها، ولا أعلم إذا ما كان لشخصيته الرّياضية التي عُرف بها في مطلع حياته أثر في هذا الجانب الوديع الذي يشكّل في حدِّ ذاته مسلكًا أخلاقيًا يتفرّد به أولئك الذين أُعطوا من صفات الحلم والصّبر ما يؤهّلهم لأن يكونوا في دَوْر القدوة التي تحتذى، والمثال الذي يجدر بالإتّباع.
* وإنّني لأتذكّر يومًا حيث امتدّ بنا الحديث لنقارن بين الشّاعرين حمزة شحاتة ومحمّد حسن عوّاد - رحمهما الله - ، وكنت أرى أنّه من الخطأ عقد مقارنة بين الشّاعرين، وذلك لانتمائهما لاتّجاهين أدبيّين مختلفين، ولقد رأى - رحمه الله - في تحمّسي لشحاتة غضاضة من منزلة العوّاد، الذي كان زميلاً له في العمل بمديرية الأمن العام، فإذا هو يبتسم قائلاً: لو لم يقل العوّاد في كلّ ما أبدع إلا هذا البيت لكفاه، فإذا هو ينشد بيت العوّاد المعروف:
مِنْ هُنا شعَّ للحقيقةِ نُورٌ
مِنْ قديمٍ ومِن هُنا يتجدّدُ
* وكان - رحمه الله - معجبًا بصديقه الشّاعر الأستاذ إبراهيم فودة - رحمه الله -، دائم الحديث عن ملكته الخطابيّة والأدبيّة. وأتساءل اليوم: أين اختفت تلك الملكات واندثرت تلك المواهب التي عُرف بها جيل الروّاد من أدبائنا؟!
* هي كلمات قليلة أردت أن أتحدّث من خلالها بكلّ نزاهة عن شيء مِنْ صفات شخصيّة كان لها عطاؤها المتعدّد في المجتمع الذي عاشت فيه، وهي كلمات رائدها الوفاء لأولئك الذين يستحقّون منّا الإشادة يوم كانوا أحياء بين ظهرانينا، فلا أقلّ من الإشادة لما قدّموه بعد رحيلهم عنّا، ففي ذلك استجلاب للدّعاء، واستنزال للرّحمة. وإنّي أدعو بالمغفرة للأستاذ البصنوي، الذي فتح في يوم من الأيّام، هو وأخوه المفضال، باب مكتبتهما العامرة، فكنت أتسلّل إليها يوم كنت طالبًا في كلّية التّربية، أراجع فيها من المصادر ما لم تمكّني ظروفي من الحصول عليه. إنّي مدين لهما بهذا الدّين وغيره، فلا أقلّ من وفاءٍ يتجسّد في عبارة وشكر، ويتمثّل في دعاء وذكرى استحضرها اليوم من ثناياها ماضٍ زاهٍ عشته في رحاب البلد الطّاهر، وظللت أحنّ إليه بعد أن انمحت دروب سارت فيها الركبان، وأنشد الحادي يقول:
كأنْ لمْ يَكُنْ مِنْ الحُجُونِ والصَّفا
أنيسٌ ولمْ يَسْمَرَ بمكّةَ سَامِرُ
(*) أستاذ الأدب والنقد بجامعة الملك عبدالعزيز


 
إطبع هذه الصفحة