الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :الأناشيد «الغزلية» تثير جدلاً بين الفقهاء
الجهة المعنية :كلية الآداب والعلوم الإنسانية
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/04/1430
نص الخبر :
علي بن حاجب - جدة

أثارت «الأناشيد العاطفية» بعض علماء الدين كونها تحمل الأبيات الغزلية، وتحفظ البعض الآخر عليها، فيما نادى غيرهم بضرورة وجود اللون الغزلي والعافي في الفن الإسلامي لما يحمله من معانٍ سامية تعبر عن الجانب العاطفي والفطري عند كل إنسان. فالمنشدون ارتأوا أن الأبيات الغزلية التي تعبر عن حب الوالدين والزوجة والأصدقاء لون من ألوان النشيد الإسلامي لا يمكن تهميشه بأي حال من الأحوال. وعلى الجانب الآخر تحفظ علماء الدين من المبالغة فيه ووضعوا له شروطاً وضوابط تقيده حتى لا يحصل الممنوع.
من جهته تحفظ الدكتور علي بادحدح، المشرف على موقع إسلاميات، على إنشاد الكلمات العاطفية، وقال: كلمات الأناشيد لا بد أن تدل على معانٍ إيجابية وراقية، فالأناشيد القديمة كانت مرتبطة بمحاور العزة والقوة والكرامة وتاريخها ومجدها، وهذا في نظري هو أعلى وأفضل الموضوعات، مشيراً إلى اهتمامها بموضوعات الأخلاق والآداب الإسلامية وكانت تؤدى كوصايا للآباء والأبناء ولطلبة العلم.
وأكد بادحدح أن الأناشيد العاطفية إن كانت كلمات تجريدية (الغزل العذري) ولم تكن مغرقة في التأصيل ولم تكن جانحة إلى الأساليب التي غلب عليها الغناء والمجون فهذه لا بأس بها، إلا أنه استدرك قائلاً: ينبغي أن يكون الحديث في هذا الجانب محدوداً وقليلاً، وأما التوسع في ذلك فأنا ممن رأيت أن كثيراً من الإنشاد، وإن كنت لا أتابعه، لم يحمل تلك المعاني القوية والحماسية التي فيها العزة والكرامة ونحو ذلك.
كما دعا بادحدح المعنيين بالإنشاد إلى الاعتناء بالإنشاد وأن يحرصوا على الكلمات الفصحى والشعر المنظوم فيه وأن يقللوا كثيراً من العامية وألا يستخدموها إلا في إطار محدود يهدف إلى توصيل رسائل قد لا تصل إلا بهذا الأسلوب. لافتاً إلى الاهتمام بمآثر التاريخ الإسلامي، لأن النشيد يجب أن يعبر عن روح الأمة وعن واقعها وليس عبارة عن أحلام وخيالات وحب وغزل.
الأصل الجواز
وحول مدى إباحته شرعاً أوضح الدكتور قيس المبارك، عضو هيئة كبار العلماء، أن النشيد العاطفي إن كان المقصود به النَّسيب بوصف حسن القدِّ والقامة، وسائر أوصاف النساء، فإن هذا الوصف إن قُصِدَ به امرأة معيَّنة كان حراماً، أما إذا كان في امرأة غير معيَّنة، فإن الأصل فيه الجواز، رغم أنه أقرب إلى البطالة.
وأشار المبارك إلى أن «العلماءُ كانوا يسمعون الشعر الذي فيه مُلح يسيرة من النسيب، والعرب تُصدِّر به شعرها، كما قال أبو الطيب: إذا كان مدحٌ فالنَّسيب المقدَّم، ويستحسنون منه ما فيه من المعاني الرِّقاق، مما يروِّح عن النفس ويُزيل عنها الملل» مستدركاً «أن هذا لا يعني إباحته مطلقاً، فإن التوسُّع فيه لا يليق بأصحاب المروءة، لِبُعْدِه عن أوصاف الرِّجال». واعتبر المبارك أن النهي عن إنشاد الغزل يتأكد إذا كان المنشِد يرقِّق إنشاده ويلين فيه ويتغنَّى كما تتغنَّى النساء، فلست أعرف وجهاً لجوازه حال التغنِّي كالنساء، أما إذا هيَّج في النفس المعاني العالية كحب الوالدين فهذا مباح بل مستحب لِنُبْل غايته».
لا بأس
الدكتور عادل باناعمة، إمام وخطيب جامع الفاتح، يرى أنه لا بأس بهذا الضربِ من الأناشيدِ وذلك قياساً على أمثالها من القصائدِ والأشعارِ الغزلية، فقد رُوِي بسند صالح استماعِ النبيّ صلى الله عليه وسلم لقصيدةِ كعبِ بن زهير (بانت سعادُ) وهي قصيدةٌ مطلعُها عاطفيٌّ بامتياز، وعلى وِزانها ما أُثِرَ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما من استماعه لقصيدة ابن أبي ربيعة:
أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكرُ ...
غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمهجِّرُ.
مشيراً إلى انشاد عشراتِ الفقهاء لشعر الغزل ابتداءً أو روايةً وعلى رأس هؤلاء عروة بن أذنية، صاحب القصيدة الشهيرة
إنَّ التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقتَ هوى لها.
وأكد باناعمة أن تاريخ الأدب يحفظ مئات المقطعاتِ العاطفية لفقهاء كبارٍ، كابن حزمٍ وابن دقيق العديد وابن حجر العسقلانيّ، وعبيدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود، والمنذر بن سعيد البلوطي، وأبو بكر الشبلي الذي قال عنه الذهبي: كان لهجاً بشعر المحبةِ والغزل وله ذوقٌ في ذلك، والقاضي التنوخي صاحبُ: (قل للمليحة في الخمار المذهبِ).
وقال باناعمة: إذا صح قياس الأناشيد العاطفية على إنشاد شعر الغزل واستماعه - وأرجو أن يكون ذلك صحيحاً - فإنَّ حكمَها حكمُ هذا الضرب من الشعر، وقد نص جمهرةٌ من الفقهاء على أنَّه لا بأس بالنّسيب إذا لم يكن بمعيّنٍ ولم يتضمن وصفاً فاحشاً. ولا يعترض على هذا بنحو تمام الرجولة وكمال المروءة، فقد كان أكمل الناس مروءة وأتمهم رجولةً يستمعون إلى النسيب ولا يتحرجون ويروونه ولا يتأثمون.
وأضاف باناعمة: وقد يصحّ لقائل أن يقول: إن الإفراط في أناشيد الغزل يحرفُ النشيد الإسلاميّ عن مسارِهِ، ويربي الجيل على الميوعة، و لكن الحديث هنا ليس عن الإفراط بل عن أحقية هذا الضرب في الوجود، والنشيد كغيره من المباحات فكثير منها لو أغرقَ فيها المرءُ أو المجتمع انحلَّ وتراخى وذهبتْ شدتُهُ، ولكنّ هذا لا يبرر الفتيا بتحريمها أو المنع منها بإطلاقٍ.
واعتبر د.عادل أنَّ ملامسة النشيد لكافة المشاعر والأحاسيس الإنسانية السامية سيجعل فيه غنيةً عن عبث الفنّ الغنائي الماجن، لافتاً أن الناس اليوم تتهادى الأغنياتِ في مختلف مناسباتها الحياتية وما أجمل أن تتهادى الأناشيد النقية بدلاً من ذلك العبث. داعياً المنشدين إلى التدقيق في اختيار النصوص وطرائق الأداء لأن أيّ شيء يُساء استخدامُهُ يمكن أن يفضي إلى نتائج معاكسة.


 
إطبع هذه الصفحة