الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :التجربـة الكوريـة
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/07/1435
نص الخبر :
عندما تنشد الدول التقدم فإنها عادة ما تضع لنفسها مدخلا أو أكثر تعبر من خلاله للمستقبل، قد يتمثل هذا المدخل في تقوية الجانب العسكري أو في تحرير الاقتصاد، إلا أن بعض الدول الأخرى تختار التعليم كمدخل للتطوير، وهى الدول التي يمكننا أن نعتبرها قد عبرت هوة التخلف في غضون عقود قليلة بامتياز، ولعل تجربة التعليم في كوريا الجنوبية تستحق أن نفرد لها السطور القليلة القادمة، فهى تجربة ثرية مكنت تلك الدولة من احتلال مراكز متقدمة في قائمة الدول الأفضل في التعليم على مستوى العالم.
كوريا الجنوبية لمن لا يعرف هي دولة لا تملك الكثير من الموارد، بيئتها قاسية ومناخها قاري، عانت من احتلال اليابانيين لأراضيها لأكثر من ثلاثة عقود ومرت بحرب أهلية قاسية ما بين 1950ــ 1953م ، غير أن تلك الطبيعة الجافة والتاريخ المؤلم لم يمنعاها من أن تصبح الآن دولة متقدمة وقوة إقليمية في منطقة شرق آسيا تتمتع باقتصاد قوي ومستوى معيشي مرتفع جدا، فكيف حققت كوريا الجنوبية هذا التقدم السريـع في ذلك الوقت القياسي الذي لا يتجاوز العقود الثلاثة؟ ... إنه التعليم!.
عندما بدأت كوريا نهضتها الاقتصادية ارتكزت على بناء نهضة تعليمية متميزة، مما استلزم إعادة صياغة سياساتها التعليمية والتربوية، وقد بدأت باعتماد مفاهيم المهارات المكتسبة في مقابل الحفظ والتلقين، واهتمت بالتطوير النوعي للمناهج في مقابل التطوير الكمي لها، فمناهج المرحلة الابتدائية هناك تحتوي على مناهج تحمل عناوين من قبيل: «التربية من أجل الأمانة» و «التربية من أجل التمتع بالحياة» و «التربية الخلقية».
المناهج الدراسية في كوريا تنظر للطفل ككل متكامل، تنظر لجسمه وعقله في آن واحد، والنظام التربوي يهتم ببناء أجسام الأطفال وتنمية ذكائهم وغرس القيم الاجتماعية المرغوبة في نفوسهم في آن واحد، المدارس هناك باختصار تعتبر العملية التعليمية وسيلة لتعليم الأطفال السلوك الحياتي المفيد، وقد وضعت كوريا أهدافا تعليمية محددة، كان أهمها امتلاك رؤية واضحة بشأن التعليم، والتوسع فيه كما وكيفا، والآن بكوريا الجنوبية ما يقرب من 300 جامعة رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز 50 مليون نسمة، كما أنها سعت لتحقيق المساواة في فرص التعليم وفتح أبواب التعليم المستمر لكل من يرغب ، مع إتاحة كافة أنماط التعليم المختلفة طبقا لإمكانيات وقدرات واستعدادات كل فرد.
توسعت كوريا الجنوبية بشكل خاص في التعليم المهني، والذي يعد أحد ركائز التنمية في كل دول العالم، وهذا التوسع أدى لالتحاق ما يزيد عن ثلث الطلاب بمدارس التعليم المهني، ومن يتفوق فيه يلتحق بالكلية المناسبة لإكمال دراساته العليا إن رغب في ذلك، ومن المعروف أن هذا النوع من التعليم يؤهل طلابه لدخول سوق العمل مباشرة مما يعني إلحاق أكبر عدد ممكن من العمالة المؤهلة بسوق العمل، وهو ما ينعكس في مدى جودة وفعالية مخرجات هذا السوق بطبيعة الحال.
اهتمت كوريا كثيرا بنظم إدارة التعليم، ورغم أن التعليم هناك يتخذ النمط المركزي إلا أنهم يعتمدون على الجهود الأهلية في تنظيم العملية التعليمية بكل إدارة ومنطقة، فلكل إدارة الحق في وضع وصياغة السياسات التعليمية التي ترتئيها وفقا لظروفها الخاصة، حيث يتم تطبيق نظام الحكم الذاتي في التعليم، وهو ما يزيد من كفاءة تطبيق السياسات التعليمية التي تحددها وزارة التربية والتعليم، وكل ما سبق ذكره هنا يتم تطويره داخل مؤسسة حكومية متخصصة تعرف باسم المعهد الكوري للتطوير التربوي، هى المسؤولة عن وضع وصياغة السياسات التعليمية وعن متابعة تنفيذها.
من المؤكد أن استعراض التجربة الكورية في التعليم أمر لا يمكن اختزاله في عدة سطور قليلة، فالتجربة عميقة وثرية ونتائجها ملحوظة وباهرة وتفاصيلها كثيرة ومتنوعة، التعليم هناك يبدأ عميقا من الصغر، ويوجه 5 % من متفوقي الجامعات لتعليم الأطفال في المراحل المبكرة من عمرهم، إنهم يهتمون كثيرا بفصول التربية الرياضية وتعليم المهارات اليدوية وفصول ذوي الاحتياجات الخاصة، التعليم في كوريا تجربة للحياة من أجل الحياة، يمتزج فيها المهني بالأكاديمي ويختلط فيها التدريب مع التعليم، ويظل هناك الإنسان يتعلم مدى حياته، فالهدف ليس إنتاج الملايين ممن يجيدون القراءة، بل الهدف هو إنتاج مثقفين يجيدون التمييز بين ما يستحق أن يقرأ وما لا يستحق..

 
إطبع هذه الصفحة