الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :الرائد عبدالله بصنوي وصور مضيئة وناصعة من سلوكيات علماء البلد الحرام
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 27/08/1435
نص الخبر :

* أثار اتّصال كريم من الأخ المهندس فؤاد أبومنصور حول ما كتبته على صفحات هذا الملحق في رثاء السيد أمين بن عقيل عطّاس، وكان عنوانه "أوراق مِن الزمن الجميل"، أثار من الشّجن ما أثاره، وخصوصًا لجهة حديثي عن الوالد الشيخ عبدالله بصنوي، الذي مضى على رحيله أكثر من عقدين من الزّمن، وقد يظنّ البعض- توهمًا - أنني - ربما- أبالغ عند حديثي عن هذه الشّخصية التي لازمتها لحوالى عقدين من الزّمن، تعلّمت خلالها من أبي محمّد الكثير، وحظيت برعايته أبًا ومعلّمًا، بل ويمكنني القول بأنّني لم أستطع بلوغ أبعاد هذه الشخصية المتعدّدة المواهب، والتي حظيت بمحبّة خاصّة النّاس وعامتهم، وأزعم أنّني رأيت الملك الصّالح خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله- يناديه باسمه في مناسبته لأهالي مكة المكرمة، في قصر السقاف بالمعابدة في أواخر التسعينيات الهجرية، ويسأله عن رجل كان يسكن في الشامية، وكان يعمل في القصر الملكي وقد مضى - آنذاك- على الأمر زمن طويل، ولكن ذاكرة الملك خالد ظلّت متذكّرة ومستحضرة ذلك الإنسان البسيط، ورغبته النّابعة من قلب ممتلئ بحبّ الخير وجبر الخاطر والإحسان في مواساة وإكرام من بقي من أهله، وتلك سنن السلف الصالح وسلوكيات من فطر الله قلوبهم على فعل الخيرات والطيبات.
* وكان الوالد البصنوي - رحمه الله- حريصًا أن يختار في أدائه للأذان والتبكير للصلاة المكتوبة أوقاتًا محددة مثل صلاتي الفجر والعصر، وهي أوقات حثت مقاصد الشريعة على حضورها مع الجماعة لأن مضاعفة الأجر يحصل مع ازدياد المشقة، وجئت يومًا في السنة الأخيرة من حياته للموضع الذي يجلس فيه بعد انقضاء صلاة العصر، فوجدت رجلاً من أهل القرآن، وكان يحظى بمنزلة خاصة عنده، وهوالشريف محمد يحظيه - رحمه الله- فاقترب الرجل أكثر من المجلس وقال له: يا شيخ عبدالله هناك امرأة مجاورة وطاعنة في السن تسكن في أحد الأربطة ونريد مع حلول وقت الصيف أن نشتري لها ثلاجة مستعملة، فخفض والدنا بصره، وقال له مجيبًا: يا شريف، لماذا ثلاجة مستعملة، إنني أريد ثلاجة جديدة في قبري، وكأنه الإحساس عنده بخواتيم الأعمال ومفارقة دار الفناء، وخرجنا من المسجد الحرام متجهين إلى مجلسه في الشامية، ووضع مبلغًا من المال في يد الرجل حتى إذا ما كان يوم رحيله سمعت الرجل يقول: اليوم يا "بصنوي" يفتقدك الضعفاء والفقراء والمساكين. وخرجت يومًا من داره العامرة التي كانت تأويني دهرًا إلى جانب أبنائه وأبناء أخيه الإنسان الأديب المهذب الأستاذ حمزة بصنوي، وكانت الشمس لم تطلع بعد، وبحثت عنه فوجدته جالسًا بالقرب من المطاف، حيث تتنزل الرحمات ومهبط الأنوار، ومستقر النفوس المؤمنة، فاقتربت منه، وسلمت عليه وكان يتهيأ لأداء سنة الطواف فوجد صعوبة بعض الشيء عند قيامه فأمسك بيدي ثم توجه إليَّ قائلا: لقد هجم علينا الكبر يا بني، ثم أردف يقول وهو يتطلع إلى الأفق البعيد: الحمد لله لقد أذّنت للأذان الأوّل من المسجد الحرام كثيرًا، وكان من فضل الله عليّ أني كنت أقوم "بالتكبير"، وقد أكرمني الله بأداء نسك العمرة مع الأذان.
وكان - رحمه الله- عند زيارتنا للمدينة المنورة، مسجد النبي الطّاهر ومثواه الشريف، عليه صلاة الله وسلامه، يغيب عنا لمدة من الزّمن في المسجد الحرام، ثم علمت فيما بعد أنه يحاول ختم القرآن الكريم بعيدًا عن أعين الآخرين، وكان على رغم عراقة أسرته في أداء الأذان التي تمتد لقرون عدة وأدائه له شخصيًا لحقبة تزيد عن نصف قرن من الزمن، إلا أنه على ما طبع عليه من شمائل الأدب والتهذيب والحياء يكتفي عند زيارته للمدينة بالتكبير لصلاة العصر، وكان المؤذن صاحب الصوت الشجي والمتبتل الشيخ عبدالعزيز حسين بخاري - رحمه الله- يطلب هو الآخرين رفاقه في هذه المهنة الشريفة بأن "نوبته" هو الأذان لصلاة العصر طوال الأسبوع، فهمس الوالد - رحمه الله- البصنوي في أذني - وكنا نجلس بالقرب من موضع مكّبرية الأذان في مسجد سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان قد تجاوز الستين من عمره المبارك، وطلب مني أن استأذن من المؤذن عبدالعزيز وكان في مقتبل العمر أن يسمح له بالتكبير فقط، حتى إذا ما اقترب مجيئه سلمت عليه وأشرت بيدي إلى حيث يجلس المرحوم البصنوي، ونقلت رغبته لي، فابتسم المرحوم عبدالعزيز، وقال مرحبًا به يؤذن ويكبر، حتى إذا ما انقضت صلاة المكتوبة سمعته يثني على مؤذني المسجد النبوي الشريف الذين عرفهم من قبل قائلا: لقد كان والد حسين بخاري - رحمه الله - من أندى وأعذب الأصوات التي سمعتها في حياتي، وكان حسين بخاري، وعبدالستار بخاري، ومحمود محمد النعمان ومن قبلهم السيد عبدالرزاق نجدي- رحمهم الله أجمعين- من الأصوات التي لا تتكرر وقد أكرم الله بعضًا من أبناء المدينة الطاهرة في المدة الأخيرة بالتشرف بأداء الأذان، وكذلك الحال في المسجد الحرام، وأعلم أن معالي الصديق الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد مهتم بتدوين تاريخ الأذان في المدينتين المقدستين كما اهتم جزاه الله خيرًا بتراجم أئمة الحرمين الشريفين وخطبائها منذ عهد النبوة إلى وقتنا الحاضر في كتابه القيم "تاريخ أمة في سير أئمة" ولقد ذكر - جزاه الله خيرًا- في خاتمة ترجمة شيخنا السيد علوي بن عباس المالكي -1328-1391م، قال عنه: "توفى - رحمه الله- بمكة المكرمة سنة 1391هـ وشيعه آلاف من أهل مكة والمقيمين والقادمين من الأطراف، وحضر جنازته علماء مكة المكرمة، ووقفوا لتقبل العزاء، والحق أنها كانت مشهودة وامتلأ الشارع من باب المسجد الحرام إلى مقبرة المعلاة ولم يشهد مثلها". [أنظر: تاريخ أمة في سير أئمة، د. صالح بن عبدالله بن محمد بن حميد، المجلد الثالث، ص: 1228-1231هـ].
وأضيف أنّ جنازة الوالد البصنوي كانت أيضًا مشهودة وكان فضيلة الشيخ محمد بن سبيل - رحمه الله- إمام وخطيب المسجد الحرام وأحد العلماء الربانيين المعروف عنهم اجتهادهم في العبادات ونشرهم للعلم وسباقهم لفعل الخيرات واشتهاره بتقديم حسن الظن على ما سواه في كل أمر من الأمور من أوائل المشيعين وكان يجلس -رحمه الله - إلى جانب القبر الذي وارينا فيه الوالد البصنوي، حتى إذا ما انتهى دفنه واستقرت روحه عند بارئها شهد له بالخير ودعا له بالمغفرة، وتلك شمائل القوم الذين ألف البيت الحرام طلعتهم ورددت جنبات البلد الأمين أصداء ترتيلهم لكتاب الله وتجاوبت مع مواعظهم ونصائحهم قلوب وعقول المؤمنين في كل مكان. فرحم الله من قضى وبارك فيمن بقي، وأغفر اللهم لنا تقصيرنا وإسرافنا في أمرنا وتجاوز عن سيئاتنا إنك على كل شيء قدير.


 
إطبع هذه الصفحة