الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :ألسانين.. أم لسانا تريدون؟
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة مكة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 17/09/1435
نص الخبر :
  • صالح بن سبعان

اعلم - يا هداك الله -، وربما تعلم أكثر مني، أن كل الأديان والعقائد، بل وحتى الفلسفات الإنسانية الوضعية قد أعلت من مكانة الصدق، بل ورفعته على رأس القيم الأخلاقية.
ولم يكن فلاسفة الإغريق - سقراط وأرسطو وأفلاطون - أول من حاول أن يضع الأسس العقلية لـ (المدينة الفاضلة)، أو يحدد معايير الفضيلة وصفات الإنسان الفاضل النبيل.
فهذا الإنسان، وهذه المدينة، ظلا حلم البشرية منذ أن خلق الله البشر - بل وغير البشر - على هذه الأرض.
ما بين بابين
ورغم اختلاف رؤى البشر ما بين من يدين بدين كتابي سماوي وعقائد غير سماوية مثل البوذية والكنفوشيوسية، وحتى تلك الوثنية التي تجسد آلهتها في عناصر الطبيعة من شمس وشجر وأصنام حجرية أو طواطم حيوانية، أو في أرواح الأسلاف، إلا أنها تجمع - بلا استثناء - على قيمة الصدق كواحدة، بل وأكبر القيم الأخلاقية.
أتعرف يا هداك الله وإيانا - لماذا؟
لأن إغلاق المرء باب الصدق يدخله في باب أو يفتح في وجهه باباً آخر هو النقيض له، إلا أن ذلك الباب - أي عدم الصدق - يفضي إلى أبواب أخرى كثيرة، بينما الصدق يفتح باباً واحداً لا يضيع المرء فيه بين احتمالات كلها مزالق خطرة.
فعدم الصدق يفتح باب الكذب.
والكذب يفتح أبواباً كلها تفضي إلى الحجيم.. جحيم الدنيا والآخرة.
فالكذب يفتح أبواب: الرياء، والغش، والمراء، والمداهنة، والتجسس، والتحسس، والنفاق، وترصد عورات الناس وأخطائهم، وغيرها من الصفات الذميمة والمكروهة والمذمومة.
بينما يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم، مقابل ذلك (الصدق منجاة) لأن طريقه واحد، سواء في الدنيا أو الآخرة
{وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} كما قال سبحانه وتعالى.
وحين سئل صلى الله عليه وسلم إن كان المؤمن يسرق أو يزني، قال: نعم، يمكن أن يفعل المؤمن، ولكنه حين سئل إن كان المؤمن يكذب، قال: لا.
وما هو الصدق
ويكاد - بل هو مؤكد - أن الصدق كل لا يتجزأ، فأنت لا تستطيع أن تكون نصف صادق ونصف كاذب. هذه منطقة لا تحتمل التذاكي واللعب على الحبلين.
وقد قالها أبرهام لنكولن الرئيس الأمريكي الذي اشتهر بأنه محرر الرقيق في أمريكا بعد حرب أهلية شعواء في تلكم القارة حين قال: (إنك تستطيع أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، وتستطيع أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت).
أتدري لماذا؟
ما لم يقله - غفر الله له: لأن الله لم يخلق كل هذا باطلاً، ولأن {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} سورة الزلزلة، وقال جل من قال {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} صدق الله العظيم.
والآن قد يعن لك سؤال: ما الذي تعنيه بهذا الصدق الذي تصدعنا به؟.
كيف نعرفه؟ وكيف نعرف الصدق من الكذب؟ وكيف نتعرف على الصادق من الكاذب؟
الإجابة تبدو كأبسط ما يكون ولا تحتاج إلى (دروس إضافية)، فقط ما تحتاجه هو أن نلجأ إلى المنهج التحليلي المنطقي الذي يستند على أسسٍ معرفية منطقية.
فالصدق قيمة أخلاقية فردية وشخصية، ذات مردود اجتماعي، ثم هي حين تدخل في الحيز الابستمولجي أي (المعرفي) لتكون ذات وظيفة معرفية ثقافية حضارية، يفتح نوافذ ما هو فردي وشخصي على فضاء ما هو كوني.
وهذا ما اتفقت عليه وأجمعت كل الديانات السماوية والاعتقادات الأخرى، بما فيها الوثنية والفلسفات الإنسانية كما قلنا.
إلا أن ميكيافيلي أبعد الصدق عن السياسة في كتابه (الأمير)، وأباح الغش والكذب والنكث بالعهود والمناورة، فاتحاً الأفق أمام (الوسيلة) على حساب (الهدف)، لأنه وضع (الهدف) كغاية مهما كانت قذارة (السبل) و(الوسائل) التي توصل إلى تحقيقه.
     


 
إطبع هذه الصفحة