الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :كفاية!
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 19/09/1435
نص الخبر :
  
 

كفاية!

لم أتخيل أن تمارس بعض المخلوقات القسوة بطرق تفوق الوصف، وكأنها قصص رعب خيالية. أنثى بعض أنواع الزنابير تتصيد الشرنقة وتخدرها بمخدر قوي جدا من نوع «كو راري» على وزن «سم هاري» لتبقيها واعية بدون أن تتحرك، ثم تمارس الخطف فتحركها إلى وكرها، وتسجنها فتقفل عليها منافذه بالطين. ولكنها قبل مغادرة المكان تغرز بيضها في أحشاء الشرنقة الغلبانة، والسبب؟ عندما يفقس صغار الزنابير من البيض سيجدون لحما طازجا فتبدأ أولى ولائمهم بأكل أحشاء تلك المخلوقات الغلبانة من داخلها وهي لا تزال على قيد الحياة. يعني يا جماعة تخديرها، ثم خطفها، ثم حبسها، ثم أكلها. متى تقول «كفاية» قسوة؟
وهناك قصص شبيهة بهذه في عالم الحشرات، والعناكب، والحيوانات البرية والبحرية. ولكن من يبحث في أبشع أنواع القسوة سيجدها بدون أي شك في عالم الإنسان. والأمثلة كثيرة ومخيفة، والتساؤلات مهمة: لماذا تم ضرب مدينة «ناجازاكي» اليابانية بالقنبلة النووية في 9 أغسطس عام 1945 بعد ثلاثة أيام فقط من ضرب مدينة «هيروشيما» بالقنبلة الذرية؟ وكان عدد الضحايا من القنبلة الأولى يقدر بأكثر من مائة وأربعين ألف إنسان بين قتيل وجريح ولم يقل أحد «كفاية» لسبب ما، فتم ضرب الثانية. ونتج عن ذلك خسائر إنسانية تقدر بأكثر من ثمانين ألف قتيل وثمانين ألف جريح وتدمير المدينة بالكامل. لن أفهم ضرب مدينة «ناجازاكي» فمن الواضح لي أن ضرب هيروشيما كان قمة مبدأ «كفاية يا هوه».
وأما خلال حروب الشرق الأوسط فبعض من تاريخ القسوة لم ينل الاهتمام الكافي واللائق في ذاكرتنا. نسي العالم العربي بشكل عام حرب «الاستنزاف» التي دارت على امتداد منطقة قناة السويس بدءا من يونيو 1967 لمدة حوالي ألف يوم. وشهد العالم خلال هذه الحرب درجات انحطاط القوات الصهيونية من خلال ضرب الأهداف المدنية لتدمير العمران، وقتل الإنسان، فكانت الخسائر الكبرى في المساكن والمنشآت المدنية فادحة. قتلوا الأسر الأبرياء في مدن «السويس»، و«بور سعيد»، و«الإسماعيلية»، و«بور فؤاد» وكان عدد القتلى والجرحى من المدنيين أكثر من عشرة آلاف إنسان. وشهدت قرى منطقة الجولان في سوريا الشقيقة أيضا بعضا من أبشع أنواع الدمار على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي في تلك الفترة، وبعدها. ولم يكن مبدأ «كفاية» وردا في فلسفة الصهاينة، فكل يوم كان هدفهم المزيد من الضحايا المدنيين والمزيد من الدمار للمنشآت المدنية التي لا علاقة لها بالحرب.
واليوم للأسف نرى أوجها جديدة للانحطاط الإنساني في ما يمارس في استخدام تقنيات الدمار ضد المدنيين. والمشكلة أن المتوقع أن تكون تلك التقنيات موجهة لتقليص الخسائر المدنية بكل إمكانيات التصويب والتقنين. لم نتخيل أن نرى انتشار قنابل «البراميل» التي تستخدم في سوريا ضد المدنيين العزل. وهذه المتفجرات مصممة للدمار الشامل ولقتل أكبر عدد ممكن من البشر. ومن جانب آخر، لم نتخيل أن يتم ضرب الشعب الفلسطيني بهذه الوحشية بأسلحة حديثة لم تصمم لضرب المدنيين. وعلى سبيل المثال، فهل يا ترى خطر على بال شركة «جنرال ديناميكس» المصنعة لطائرات الإف 16 أنها ستستخدم لقتل أسر فلسطينية آمنة في بيوتها. وإن كان هذا صحيحا فمعناها أن تلك الشركة، ومثيلاتها ينتمون إلى «رمم» الانحطاط البشري.
وقد استخدمت كلمة «كفاية» ست مرات فيما جاء أعلاه...ومرتين فيما سيأتي أدناه. وكأنني أسمع رئيس التحرير والقراء الكرام يرددونها الآن «كفاية» يا طارق ....ولذا فسأقفل المقال.
أمنية
أتمنى أن تكون هناك وقفات إنسانية لتعريف ورصد كفاية القسوة. وهذه الأمور لا تنسى فهي محفورة بشكل أو آخر في ذاكرة البشرية. والله يشهد على كل من يمارسها، وكل من لا يعترض عليها، ولو بقول «كفاية».
وهو من وراء القصد.

 
إطبع هذه الصفحة