الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :حسين بافقيه ورفعُ الغطاء عن فكر وأدب الروّاد
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 22/11/1435
نص الخبر :

عاصم حمدان

* ومع أنّني كنت عائدًا -للتوِّ- من أجواء الغرب الثّقافية الفكرية؛ فلقد استحضرت في الذّهن مشهد الصّراع بين حركتيْ اليمين واليسار في بريطانيا، وخصوصًا لجهة بزوغ حركة تحمل اسم Militant Tendency، وتعني التّغيير الفكري بالقوّة، وكان من أنصارها المنظّر العمالي الرّاحل توني بين Tony Benn، والكاتب ذي الجذور الهندية طارق علي، وإن كانت التّفاصيل الدّقيقة لهذه الحركات تختلف من بيئة لأخرى، ومن سياق حضاري وفكري لآخر.
* وكان العديد من طلاب القسم منخرطين في حركة الحداثة عن وعي وبصيرة، ولعلّه كان ينقص بعض الذين تعاطفوا مع الحركة أو ناوؤها، شيء من الحكمة والتروّي، والبعد عن إطلاق الأحكام، والوصول إلى أرضيّة مشتركة، وهذا ما حدث لاحقًا، وساد الهدوء والوئام السّاحة الأدبيّة، بعد كثير من الضّجيج والصّخب. وكان من أبرز الأسماء التي اجتذبتها الحركة الابن والزّميل النّاقد الأستاذ حسين بافقيه، وكانت الأرضية التّراثية الصّلدة التي يقف عليها الابن حسين مع آخرين هي التي جعلتهم يراجعون مواقفهم. ولعلّي أستعيد عبارة ذكرها لي الابن حسين لاحقًا في لحظة صفاء قائلاً: كنت تخاطبنا بلغة لم نُدركها إلاّ لاحقًا.
توجّه النّاقد بافقيه لأدب النّهضة يدرسه، فكانت إصداراته الأدبية والنّقدية تتوالى تباعًا مثل إطلالة على المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية، «طه حسين والمثقفون السعوديون»، ثمّ كتابه الذي قدّم فيه دراسة موضوعية عن الأدب في مكّة المكرمة في القرون المتأخّرة والمنسيّة، وهو «ذاكرة الرّواق وحلم المطبعة»، ووجد من ذلك القصيد الرّائع الذي يحتاج لنفض الغبار عنه مثل أبيات الشّاعر عبدالواحد الأشرم والتي يقول فيها:
على جِيدِ هذا الظَّبي فلْيُنظمِ الدُّرُّ
وإلاّ فما للدُّرِّ قَدْرٌ ولا فَخْرُ
بَدَا فأضاءَ الجَوَّ حتّى كأنّما
بِليْلَةِ نِصْفِ الشَّهرِ لمْ يَطْلَعِ البَدرُ
لقد عاد حسين لـ»خواطر مصرّحة» للرّائد محمّد حسن عوّاد، ومقدمة حمزة شحاتة لكتاب «شعراء الحجاز في العصر الحديث» للأستاذ عبدالسّلام السّاسي، والتي أطلقتُ عليها في دراستي النقدية «بيان حمزة شحاتة الشّعري»، والتي بنى عليها النّاقد بافقيه دراسته العميقة الموسومة «مضايق الشّعر.. حمزة شحاتة والنّظرية الشعرية». وأخيرًا وليس آخرًا، العيش في الكتابة «دراسة في نقد عبدالله عبدالجبار»، والذي احتفى بإصداره عزيزنا الأستاذ محمّد سعيد طيّب، وبعد سنين من البحث والدّراسة وجد كاتبنا أنّ هناك حداثة حقيقية تتبطّن إبداعات هؤلاء الروّاد وسواهم، وأنّهم كانوا سبّاقين بوعي، أو غير وعي لضرورة التحديث الواعي الذي يجمع بين أصالة الأدب العربي وتأثيرات المدارس الأدبية الحديثة.
* ويتعرّض النّاقد بافقيه لقضية هامة وهي: لماذا بُخِسَ هؤلاء الروّاد، بينما صُقلت أو لمّعت أسماء أخرى في المشهد الثّقافي العربي؟!
ويقول في هذا الصّدد: «فكان حقيقيًّا أن نعدّ عبدالجبار واحدًا من صنّاع النقد العربي، وإن بخسه النقّاد والدّارسون العرب، فسكتوا عن اسمه حين نوّهوا من قدر نقّاد آخرين ينزلون عنه درجات.
ولكنّني في ختام هذه الإشارة التي أزعم أنّها موضوعية يمكن القول بأنه يحمد للابن والزميل بافقيه ما قدّمه من دراسات سابقة عن أدبنا، وما قدّمه في هذا السِّفر الهام عن الرّائد عبدالجبّار. وأودّ أن أهمس في أُذن هذا الحادي أو الشّادي، وأسأله صادقًا: هل ننتظر من الآخرين أن ينصفونا إذا لم ننصف نحن روّادنا، ونعمّق قبل ذلك حضورهم في بيئتنا الثّقافية والنّقدية والأدبية؛ ليصبحوا جزءًا من صناعة الفكر الحضاري الذي نحتاجه في خضم صراعنا مع هذا الفكر الموغل في شططه، والمتجهّم في هيئته، والصّاخب في خطابه المُنحرف، والواهم أنّه المنقذ للأمّة بينما في حقيقته يَحْملُ مِعْولاً هدَّامًا لكلِّ ما أنتجت الأمّة في تاريخها الطّويل من حضارة وفكر وسطيٍّ، ومعتدل، ومتسامح؟
* مع نهاية عام 1406هـ/ 1986م وبعد سنين من النّزوح في أرض الغربة، وجدتني أمام أجيال متتابعة من طلبة الدّرس في قسم اللغة العربية بكلّية الآداب، الذي كان يرأسه -آنذاك- الأستاذ الدكتور عبدالله الغذّامي، والذي كان مرحِّبًا وداعمًا، ومن تلك الأجيال المتلاحقة تحضرني بعض الأسماء من أمثال الأبناء والزّملاء: حسين بافقيه، فهد الشريف، عبدالرزاق الصّاعدي، عايض القرني، محمّد المنقري، يحيى العلكمي، جبريل أبوديّة، محمّد الساعد، عبده قَرَّان، مسفر الغامدي، منصور ضباب، مروان قمّاش، عبدالرحمن الوهّابي، عبدالله المراغين، عبدالحكيم الشّبرمي، عادل خميس، عبدالهادي حتاتة، وسواهم. وكانت المعركة على أشدّها بين المحافظين والحداثيين، وأصاب القسم رذاذ منها، ولقد كانت الانعطافة نحو الحداثة شديدة كالإعصار، ومردّ ذلك -من وجهة نظر خاصة- ما شهدته بلادنا -آنذاك- من اتّجاه نحو اليمين المتشدّد، وكانت الغمّة لم تنقشع بعد؛ ممّا جرى من أحداث في الحرم الشّريف، الذي كانت تعظّمه العرب في جاهليتها، وطهّره سيّد البشر، عليه صلوات الله وسلامه، من كلِّ شرك


 
إطبع هذه الصفحة