الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :حادثة المنشو: العِبر والدلالات
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/12/1435
نص الخبر :


أ. د. محمد خضر عريف
الأربعاء 22/10/2014
حادثة المنشو: العِبر والدلالات
عصف بقلبي نبأ وفاة الابن علي بن محمد علي منشووهوفي ربيع العمر، ومعه ابنه الطفل البريء الوديع الذي قضى وهوفي عمر الزهور، ضحيتين لإهمال متعمَّد يرقَى إلى مرتبة القتل شبه العمد، كيف لا، وأنا أعلم حق العلم أن من أوقف سيارته وقوفًا غير نظامي ثم ارتطم بها أوسقط عليها آدمي وقُتِل، فإنه ملزم بديته، وتلك فعلة أقل وطأة بكثير من ترك حفر الصرف الصحي وغيرها مفتوحة دون غطاء محكم شديد، يتعذر على طفل صغير أورجل قوي فتحه، ذلك إن افترضنا أن الغطاء موجود، ولكن الدلائل في مجملها تشير إلى عدم وجود الغطاء أصلا، وهي الطامة الكبرى وثالثة الأثافي والحالقة. وهذه الظاهرة المرعبة في مجتمعنا واحدة من الظواهر التي نعيشها التي تشوه كل هذه الإنجازات الحضارية الرفيعة التي تبذل فيها الدولة المليارات لينعم المواطن ببنية تحتية محكمة، ويسير في شوارع نظيفة مستوية خالية من الحفر والمطبات والعوائق. ثم تأتي حوادث مؤسفة كهذه لتعكر صفوالمواطن وتشغل باله وتضعه في قلق دائم على نفسه وعياله إذا ما تجول في أي مكان مهما كان راقيًا، وقد وقعت هذه الحادثة الأليمة في واحد من أرقى الشوارع إن لم يكن أرقاها على الإطلاق في مدينة جدة، وهوشارع الأمير محمد بن عبدالعزيز (التحلية سابقًا) وفي جزء منه يغص بالمطاعم الفاخرة والمقاهي الراقية، وكثير منها يحمل أسعار وصيفاتها في دول العالم كثيرًا، فإن يكن الوضع كذلك فلا أقل من أن تسهم هذه المؤسسات التجارية التي تحقق أعلى الأرباح في العناية بما يحيط بها من شوارع وميادين، وتتأكد من سلامة الطرق المفضية إليها على قدر ما يقطعه المشاة على أقل تقدير، ناهيك عن توفر مواقف السيارات بالعدد الكافي بحيث لا يضطر قاصدوها إلى المشي لمسافة طويلة ويتعرضون لما تعرض له الفقيد المنشومن حادث أليم شديد.

والشيء بالشيء يذكر، ولابد من التنبيه إلى عدد من المطاعم الغالية جدًا والشهيرة جدًا التي افتتحت خلال العام الماضي في شارع التحلية نفسه ولكن إلى الشرق منه قبل تقاطع طريق المدينة، وهي تصل إلى خمسة أوأكثر ولها موقف سيارات واحد يكاد لا يتسع لخمسين سيارة، ولا تتعذر بالموقف الخلفي الأرضي الذي لا يناسب العائلات ولا الأطفال ولا كبار السن.

ومثل تلك المطاعم كثير في كل مدن المملكة التي تتبع نظام الفرنشايز داخلها فقط دون أن تكون لها مرافق وخدمات خارجية كما أسلفت. ولابد لي ها هنا من الإشارة إلى ظاهرة اجتماعية جد خطيرة كذلك مرتبطة بهذه الحادثة وهي ما يعلمه الجميع من أن أغطية الصرف الصحي والماء وسواها تسرق على الدوام خصوصًا في المناطق المعزولة، حين تكون على قارعة الطريق لتباع لتجار الحديد والخردة كما سمعنا، وهنا لابد من التساؤل ما إذا كانت هناك رقابة مشددة على هذه الفئة من التجار الذين يشتركون مباشرة في جرائم اجتماعية يذهب ضحيتها مواطنون أبرياء لقاء خمسين ريالا أويقل أويزيد، فإن لم تكن هذه الرقابة موجودة فلابد من إقامتها، بل والتشديد فيها بضرورة التبليغ عمن يأتي بهذه الأغطية لبيعها للقبض عليه ومعاقبته بسجن طويل أوالإبعاد إن كان غير سعودي.

أما عقوبة من يُقصّر في إغلاق فتحة صرف صحي تخصه أوغير ذلك فأرى أنها غير رادعة إذ قرأت في الصحف أنها غرامة لا تتجاوز ثلاثة آلاف ريال إضافة إلى تعويض المتضررين، وأرى أنها عقوبة مخففة للغاية وينبغي إعادة النظر فيها لتكون رادعة، وليحرص الناس على مراقبة ما يملكونه من عقارات أويتبع لهم من مرافق وشوارع بشكل يومي، وتدارك أمر كهذا على الفور تفاديًا لمثل هذه الحوادث المروعة. وهذا لا يبرئ ساحة الجهات الخدمية المسؤولة كالأمانة وشركة المياه وسواها.

وهوما سيتبين من نتائج التحقيقات الجارية حاليًا بأمر من صاحب السموالملكي الأمير مشعل بن عبدالله بن عبدالعزيز أمير منطقة مكة المكرمة وفقه الله.

وفيما يتصل بالابن علي بن محمد علي منشووابنه رحمهما الله، فأسأل الله تعالى أن يقبلهما شهيدين عنده أولًا لأنهما ماتا غرقًا، وكذلك فإن من مات دون عِرْضِه فهوشهيد، وقد قضى الابن علي دون عِرْضِه، فابنه من عِرْضِه كما هومعلوم، وأنا ألوم كثيرًا من قالوا إنها ميتة السوء، فهي ليست ميتة سوء إذ ميتة السوء تكون بأن يموت المسلم وهويرتكب المعاصي.

وقد مات علي رحمه الله وهوفي فضيلة إنقاذ ابنه. وأنا أعرف والده الفاضل الشيخ محمد علي منشومنذ أكثر من ثلاثين عامًا وهومواطن عصامي مكافح يمارس عملًا شريفًا ونشأ أبناءه تنشئة صالحة ورباهم تربية كريمة، ومنهم ابنه عامر شقيق المتوفى الذي كان تلميذًا لي في الجامعة قبل سنوات.

رحم الله الابن علي محمد منشووابنه الطفل البريء، وألهم آله وذويه الصبر والسلوان، و(إنا لله وإنا إليه راجعون).


 
إطبع هذه الصفحة