الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :احتفالية توديع القمح
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/12/1435
نص الخبر :

هذا العنوان مستعار من مقالة أخي الكاتب عيسى الحليان الذي نشاركه هم الكتابة في الشأن الاقتصادي في بلادنا. ولقد كانت المقالة بمناسبة حلول الموعد النهائي لإيقاف إنتاج واستقبال القمح المحلي المدعوم من قبل صوامع الغلال الحكومية.والحقيقة أن استهلاك الماء لم يكن السبب الأول، وإن كان الأهم، لإيقاف انتاج القمح السعودي، ولكن أسبابا عديدة أخرى لا تقل أهمية عن الماء ساهمت في الإجهاز على خطة تشجيع القمح ومنها عدم احترام مسارات التوطن التاريخية للمحاصيل والمنتجات الزراعية على مستوى المناطق. فقد اشتهرت كل منطقة من مناطق المملكة بإنتاج مجموعات محصولية ومنتجات زراعية مختلفة تبعا لظروفها المناخية وتوافر المياه فيها وموروثات سكانها الفلاحية وعاداتهم الغذائية. وفي تحليلي للمسارات القسرية للتوطن التي أنتجتها خطة القمح في كتابي (الجوانب الريفية والمناطقية في خطة التنمية السعودية) وجدت أن أعلى معامل توطين للقمح على مستوى المناطق تحقق للمنطقة التخطيطية الوسطى (القصيم والرياض) والى حد ما للمنطقة الشمالية (حائل والقريات والجوف وتبوك) نتيجة لاستفادة هاتين المنطقتين التخطيطيتين من خطط دعم وتشجيع زراعة القمح أكثر من غيرهما من المناطق الأخرى. ولم تتأت هذه الاستفادة من توطن طبيعي للمحصول بل من توطين قسري بفعل سياسات الدعم الزراعي الموجهة للمنطقتين. واتضح هذا جليا مع تعديل خطط الدعم والتشجيع لصالح انتاج الشعير لتتحول نفس المنطقتين لاحتلال المرتبتين الأولى والثانية في ترتيب معاملات توطين الشعير. ويلاحظ من جدول معاملات التوطن المحصولي أيضا أن عسير هي المنطقة السعودية الوحيدة التي حافظت على انتاجها من الشعير حتى في ظل سياسة تشجيع انتاج القمح وقبل دعم الشعير ما يعني تفضيل المزارعين التقليديين في تلك المنطقة الحفاظ على تفضيلاتهم التوطينية التاريخية للشعير على القمح بصرف النظر عن العوائد المالية.أما بالنسبة للمنتجات الأخرى فقد أظهرت معاملات التوطن المحصولي أن انتاج التمور ما زال مفضلا في المدينة المنورة والمنطقة الشرقية، وزراعة الطماطم والبطيخ ما زالت مفضلة في منطقتي مكة المكرمة ونجران، والبطاطس في الشرقية ونجران، والحمضيات في نجران والمدينة والشمال. أما الأعناب ففي الشمال والمدينة المنورة والباحة ومكة المكرمة. وهذا التوطن للمحصولات الزراعية في السعودية في فترة تشجيع سياسة القمح ومن بعده الشعير كان متوقعا لتوافقه مع التوطن التقليدي لتلك المحاصيل في المرحلة التي سبقت التفات الحكومة للتنمية الزراعية المكثفة في البلاد. وينطبق ذلك في معظم الحالات باستثناء الحالات القليلة التالية :ــ اصبحت القصيم التي اشتهرت بإنتاج التمور والبطيخ ومنتجات زراعية شبيهة منذ زمن بعيد، منتجا للقمح في ظل السياسات الزراعية المشجعة لإنتاجه.ــ فقدت الطائف التي هي ضمن منطقة مكة المكرمة أولى المناطق السعودية في انتاج الحمضيات والأعناب مكانتها لصالح نجران والمدينة المنورة والشمالية. في حين أن استيراد هاتين المجموعتين من المنتجات الزراعية في المنطقة الشمالية يعتبر ظاهرة جديدة في الإنتاج الزراعي للمنطقة التي كانت تقوم زراعتها على الرعوية وغرس أشجار النخيل. وتظهر قيمة (معاملات التوطن المحصولي) هذه كمؤشرات مهمة في تصميم السياسات الزراعية المستقبلية وسياسات دعم وتشجيع انتاج المحاصيل. وبالنسبة للمحاصيل والمنتجات الأخرى غير القمح والشعير يمكن أن تعبر هذه (المعاملات) عن قوى الطلب المحلي على كل محصول أو منتج على مستوى المنطقة وعن مدى استجابة المزارعين المحليين لقوى السوق في كل منطقة ومدى ملاءمة الموارد المحلية والأحوال المناخية والشروط البيئية الأخرى لإنتاج المنتج المتوطن في منطقة أو مناطق معينة دون غيرها من المناطق ومدى ملاءمة سياسات دعم وتشجيع انتاج منتج معين أو مجموعة من المنتجات في تلك المناطق. وفي الختام أقول بأنني لن أبكي في وداع القمح بل سأفرح لأن كل خطة مصطنعة لا تتوافق مع المسارات التاريخية الطبيعية للتنمية لا بد أن تفشل لأن المزارعين المحليين في أي منطقة من المناطق لا يتوافقون على صلاحية منطقتهم لنوعيات بعينها من المحاصيل والمنتجات من فراغ ولكن من تجارب مريرة مر بها أسلافهم عبر مئات بل الاف السنين. ولذلك نراهم يعودون الان لمسارات التوطن المحصولي التي اختاروها مع زوال المؤثر الذي أجبرهم في فترة من الفترات على الابتعاد عنها طمعا في عوائد مالية أعلى. ولكن ليفرح معي كافة المواطنين والوارثين في المستقبل، أنبه إلى ضرورة عدم اهمال البعد المناطقي في تصميم سياسات تشجيع ودعم الإنتاج الزراعي بحيث تتوافق مع التوطن المحصولي في كل منطقة والابتعاد بعد اليوم عن تشجيع محصول او منتج بعينه أو عدة محاصيل بأسلوب نمطي شامل في كافة المناطق دون أخذ الفروقات الفردية والظروف المناخية وقوى السوق المحلية في الاعتبار واحترام معاملات التوطن المحصولي التاريخية في توجيه الدعم والإعانات الزراعية..

 
إطبع هذه الصفحة