الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :خـيـبــة
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/12/1435
نص الخبر :

من الصعب تعريف مصطلح الخيبة بدقة بالرغم أن ممارستها ونتائجها أمامنا يوميا. فهي ترمز إلى البلادة، أو عدم الإتقان، أو عدم الحرص، أو اللقافة، وعدم اغتنام الفرص، بل وتضييعها. بدأت فكرة هذا المقال عندما زرت عيادة أحد الأطباء المرموقين من ذوي الأصول العربية في الولايات المتحدة. وكانت شهاداته الكثيرة معلقة على جدار مكتبه. الأولى من إحدى الجامعات العربية بتقدير «مقبول»، وأما شهاداته العلمية العليا الأخرى فكانت كلها من المعاهد المتميزة العليا في أمريكا وأوربا وبتقدير «امتياز» . وسألته عن ذلك التباين، فأجابني بكل تواضع أن شهادته الأولى كانت هي الأصعب، والأقرب إلى قلبه، وأن جامعته العربية لم تقبله ضمن طاقمها التدريسي نظرا «لأدائه المتواضع». وذكرني ذلك بحالة عالم الرياضيات العبقري الهندي «رومانا جان» في مطلع القرن العشرين. رفضته جامعة «البنجاب» في الهند أكثر من مرة لأنه رسب في اختبار القبول باستمرار. وبعدها احتضنته جامعة كامبريدج الإنجليزية المرموقة ليخرج بعضا من أروع النظريات والمعادلات الرياضية في التاريخ. وتذكرت أيضا مقدار حزني عندما رأيت قوائم العلماء الأمريكيين المتميزين من ذوي الأصول العربية في مجالات الطب، والهندسة، والكيمياء، والفيزياء، والرياضيات الذين رفضتهم جامعات أوطانهم. ولكن «الخيبة» لا تنتمي إلى وطن معين، فهناك بعض الأمثلة التاريخية الرائعة على ممارساتها العالمية، واخترت لكم منها التالي: في مطلع القرن العشرين سطع نجم أحد الشباب الإنجليز في عالم الكيمياء والفيزياء واسمه «هنري موصلي» . اكتشف هذا العبقري عدة اكتشافات غيرت عالم الكيمياء كما نعرفه، وبالذات فيما يتعلق باستخدام الرقم الذري بدلا من الوزن الذري لترتيب وضع العناصر المختلفة في الجدول الدوري. وهو من أهم الأدوات الفكرية في تاريخ العلوم. الشاهد أن عند قيام الحرب العالمية الأولى تطوع هذا العالم في الجيش الإنجليزي. وفي عام 1915 اشترك في إحدى المعارك الضارية بين قوات الحلفاء من جانب، والقوات العثمانية من جانب آخر. وتحديدا شارك في معركة «جاليوبولي» الدامية الشهيرة ، والتي قدرت بحوالى نصف مليون رجل. ومنهم هذا العالم العبقري الذي سمحت الحكومة الإنجليزية بدخوله معركة انتحارية فكان خسارة لبريطانيا، بل وللعالم. كانت المعركة في حد ذاتها خيبة، والسماح لهذا العالم في المشاركة فيها خيبة أكبر.وأما الاتحاد السوفييتي سابقا فكان مليئا بالأمثلة الرائعة على الخيبة في أقوى أدوارها. وإحدى تلك الأمثلة كانت في مجال الفضاء. كان المصمم الأول والأهم في تاريخ الاتحاد السوفييتي، بل ويعتبر أحد أهم الرواد في تاريخ الفضاء بأكمله هو «كورول ييف» على وزن «كله ضيف» . كان هذا العبقري هو المصمم الأساس للعديد من المركبات الفضائية الرائدة التي أثبتت جدارتها في عالم الفضاء. وكان هو العقل المدبر الأساس في تصميم أول قمر صناعي في العالم «سبوت نق» عام 1957 الذي تفوق به بالسبق على قطاع الفضاء الأمريكي العملاق. وكان أيضا المصمم لمركبة «سويوز» التي وصل عمرها إلى حوالى خمسين عاما الآن وهي المركبة الوحيدة في العالم الحاملة للبشر إلى الفضاء الخارجي إلى اليوم. وغيرها من المشاريـع الفضائية الرائدة التي سمحت للاتحاد السوفييتي أن يسبق أمريكا في المراحل الأولى من سباق الفضاء. وخلال قيامه بعمله نشبت خلافات فنية حادة بينه وبين بعض زملائه في العمل، كما هو الحال في هذه المراكز القيادية. ولكن في هذه الحالة لعبت الواسطات السياسية دورها، فتم تصعيد الموضوع إلى مستويات عليا. رموا الرجل في سجون سيبيريا القاحلة في شرق البلاد وتم سجنه وإهانته وإبعاده عن القطاع الفضائي بالكامل لسنوات طويلة. وتسبب هذا الإبعاد في تعطيل بعض من أفضل الأبحاث والإنجازات في هذا المجال. وسأتوقف هنا لأن الإطالة في المقال والاستمرار في محاولة إيضاح أمثلة الخيبة قد يفسر أنه أحد أوجه الخيبة في حد ذاته.أمـنـيـــةفي عالم الإدارة الحديثة يتم التركيز على القياس. ويتم تداول مفهوم «مؤشرات الأداء الأساسية» أو «الجوهرية» كأحد المفاهيم الأساسية لتحديد مستوى الأداء. أعتقد أن هناك ضرورة ملحة لقياس الخيبة أيضا، وإلا فسنجد العديد من البشر حول العالم الذين يعتقدون أنهم من المتميزين وهم عكس ذلك. أتمنى أن نبتكر «مؤشرات الخيبة الأساسية» ونطبقها على حياتنا كإحدى المحاولات لتحسين أوضاعنا.. والله أعلم.وهو من وراء القصد.

 
إطبع هذه الصفحة