الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :الأمل يتجدد مع خالد الفيصل
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة الوطن
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/03/1436
نص الخبر :

ميسون الدخيل  

الحياة ليست مشهدا نطل عليه من نوافذ المدارس، الحياة انغماس وتدريب مستمر، والمواطنة والانتماء ليستا كلمتين وشعارين نرددهما، نريد جيلا فاعلا! إذن لنبعده عن المفاجآت ولندخله الساحة ليتفاعل ويبدأ في تحديد ملامح هويته

من نوعية مخرجات التعليم نستطيع القول إننا في الفترات السابقة خذلنا أبناءنا تلاميذ وطلبة، لا أقصد هنا فقط الأسباب التي أشبعت دراسة وعرضا من قبل الكثير من أخصائي التربية والتعليم، كنوعية الاختبارات أو المناهج الموحدة كأننا نعمل على تخريج نسخة موحدة من الطلبة، ولا التقصير الواضح في إعداد المعلم وتدريبه، أو حتى البيئة التعليمية، أو البرامج التعليمية الخالية من الحياة والروح، كلها على أهميتها ليست محور مقالتي اليوم.
لقد خذلنا أبناءنا في الماضي، لأننا كنا نعتقد بأننا نجهزهم للحياة بينما كنا ندربهم لكي يصبحوا جزءا من المؤسسة التعليمية سواء كان ذلك تعليما عاما أو جامعيا، وبما أعرفه شخصيا عن اهتمام خالد الفيصل بالتربية والتعليم من خلال المشاركة في عدة مؤتمرات للفكر العربي التي كان ولا يزال يرأسها ويتابعها شخصيا، حيث تناول فيها الأخصائيون من عدة دول مواضيع تهم المجتمع العربي أهمها التعليم، فإنني أجزم هنا بأنه سيأخذ ما أتحدث عنه في عين الاعتبار ضمن الكثير من التغيير والتطوير الذي يجريه على الساحة اليوم.
تحدث المختصون عن التعلم النشط والتعلم الذاتي والتفكير الناقد والتفكير الإبداعي، وقيل لنا حينها إن المناهج الحديثة التي أدخلت على الساحة تعمل على تدريب التلاميذ على هذه المهارات، ولكن لأي مجتمع؟ المجتمع المدرسي أم المجتمع الذي سيدخله الطالب بعد تخرجه؟ التعلم ممارسة ولكن على أية ممارسة كنا ندرب أبناءنا؟ القراءة والكتابة، حفظ واسترجاع المعلومات، أم كيفية التحصل على أعلى الدرجات في الاختبارات؟!
نعم كانت هنالك نواد في بعض المدارس، والتي لم تطلها أيادي البعض وتصادرها وتتحكم فيها أهدافا وعمليات ومخرجات، للصحافة والثقافة والعلوم والرياضة، وربما كانت هنالك أندية للفنون التشكيلية والمسرح، هذا لو أدخلنا التمني على البيعة! كل ذلك بدا لنا جميلا ولكن لننظر بعمق إلى العمليات التي عادة ما تتم داخل هذه النوعية من الأندية، هل هي تؤهل التلميذ حقا للانخراط في سوق العمل كالإعلام مثلا؟ قد نقول نعم لو كانت هذه الأندية مرتبطة بالأندية الأدبية أو مؤسسات الصحافة أو الإذاعة أو التلفزيون أو شركات محلية أو مصانع أو محال تجارية أو مشافٍ، ما أقصده تواصل التلميذ مع المجتمع الأصلي وليس الافتراضي الذي يهيأ له داخل أسوار المدرسة، ولكن واقع الحال الذي لامسناه في الفترات السابقة يقول كل هذا ليس ما كان يتم فعله من قبل المدارس! لا أقول هنا أن لا فائدة من هذه الممارسات، مثل التعلم على كيفية إخراج صحيفة والتدقيق اللغوي والكتابة والجرافيك وغيرها من المهارات التي سيكتسبها التلميذ فقط من فتح نادي الصحافة، ولكن يظل ذلك في إطار الممارسات المدرسية، أي التكييف مع المجتمع المدرسي وليس المجتمع الفعلي! لماذا لأن جل ما كنا نعلمهم إياه هو الحصول على الدرجات، فبدلا من ممارسة التفكير الناقد في حل مشكلات منبثقة من البيئة المحلية ومن ثم أخرى إقليمية وربما بعد حين تحديات عالمية، كنا نعلمهم قراءة الملخصات وإعادة صياغة أفكار المعلم إن لم يكن ترديدها، وكيفية تحديد كل ما هو مهم، إضافة إلى تحويله إلى أشكال أخرى تبسطه كالجداول والخرائط الذهنية، ليس كمهارة بل كوسيلة من أجل اجتياز الاختبار!
هنالك ثغرة واضحة بين ما كنا نقوله لأنفسنا عن تجهيز أبنائنا وما تم فعله على أرض الواقع! كيف كان لهم أن يتدربوا على المهارات والقدرات المطلوبة في سوق العمل للقرن الحادي والعشرين، وهم لم ينخرطوا بأي عمل فيه على سبيل التجربة والممارسة؟! أبناؤنا يدخلون أسوار المدارس ويخرجون منها إلى منازلهم، ولا يدخلون معترك الحياة إلى بعد التخرج من الجامعة! نقفز بهم فوق الحياة ثم نقذفهم فيها!
لكي نجهزهم للحياة العملية يجب أن ندخلهم إليها خلال مراحل التعليم، من خلال الأنشطة المدرسية التي لا تتم إلا من خلال التواصل مع المجتمع المحلي، ومن خلال تخصيص ساعات خدمة مجتمع يسهم في استيعابها جميع شرائح سوق العمل على اختلاف مجالاته وتنوعها، ولندخل التعليم المهني في برامجنا التعليمية فهذه إن لم يتخذها الطالب كهواية فيما بعد، ونحن نعلم ما تضيفه الهوايات على مسيرة الفرد، ستفيد بالتأكيد في مجال العمل إن قرر ودخل هذا المجال كتخصص، أو أي تخصص آخر، لأنه سيتعامل مع التحديات من زاوية الخبرة، وقد تنتج عن ذلك حلول إبداعية.
أنا لا أتحدث من فراغ بل من تجربة فلقد تعلمت مهارات السكرتارية في المدرسة والتي خدمتني فيما بعد في المرحلة الجامعية وفي ساحة العمل، كما قمت بتنفيذ 160 ساعة خدمة مجتمع كمتطلب للتخرج من الثانوية، وهذه أيضا خدمتني كثيرا ليس فقط في مجال عملي ولكن دربتني على المسؤولية وتحمل أعباء العمل والتواصل والتكيف وكتابة التقارير، وقبل كل ذلك التعاطف والشعور بأنني فرد يؤثر كما يتأثر، وأهم شيء أدركت دوري كمواطنة في المجتمع.
الحياة ليست مشهدا نطل عليه من نوافذ المدارس، الحياة انغماس وتعلم وتدريب مستمر، والمواطنة والانتماء ليستا كلمتين وشعارين نرددهما، إنها ممارسة وتفاعل، نريد جيلا فاعلا؟ إذن لنبعده عن المفاجآت ولندخله الساحة ليتفاعل ويبدأ في تحديد ملامح هويته، ويدرك أهميته في الحفاظ على الممتلكات العامة وفي البناء والارتقاء بالوطن، ولكي يخطط لمستقبله يجب أن يعرف ماهية الحياة التي سيخطط ويتجهز لها، ولن يكون له ذلك إن لم يتذوق حلوها ومرها ويجتهد من بداية الطريق وليس بعد منتصفه، إن أخذنا بيدهم فسيأخذوا بيدنا وإن ساندناهم فسيكونوا سندا لنا لا حملا ثقيلا علينا وعلى أنفسهم، وبالتأكيد لن نسمع كلمة "عاطل" بل سنسمع عن جيل يخلق بنفسه فرص العمل، له ولمن سيأتي بعده.


 
إطبع هذه الصفحة