الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :استخلاص الدروس والعبر!
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة مكة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 04/06/1436
نص الخبر :

صالح السبعان

لطالما نادينا ليل نهار بضرورة قراءة تجارب المسؤولين ونتائجها، السلبي منها والإيجابي، وعلى رأسها تجربة الأمير خالد الفيصل في منطقة عسير ومنطقة مكة المكرمة، لاستخلاص الدروس والعبر من هذه وتلك بغرض الارتقاء بالعمل العام بما يحقق الأهداف التي لا اختلاف في توجهات ولاة الأمر عليها.
خذ مثلا: إن واحدا من أخطر الأشياء في المسيرة الإدارية للدولة يتمثل في هذا الظل الإداري الثقيل الذي تعاني من وطأته (الأطراف).
ورغم التقسيم الإداري للمملكة إلى مناطق، وإسناد مسؤولية الإشراف عليها إلى ولاة الأمر، فإن المسؤولين التنفيذيين في المناطق لم يستفيدوا من هامش حرية الحركة الإدارية الممنوحة لهم ولإدارات المناطق.
ولست بصدد البحث عن أسباب هذا القصور.
إلا أن الفكرة بحد ذاتها تعتبر من الوصفات الكلاسيكية والمؤكدة، أي أن تعطى هذه الإدارات هذا الهامش لحرية الحركة الإدارية في إدارة شؤون المنطقة لأنها الأدرى باحتياجات المنطقة، ولأنها الأقرب إلى نبض حركتها اليومية.
لقد كتبت من قبل، وأنا أتناول مشكلة التعليم، أن الإدارة المدرسية هي الأقرب إلى احتياجات المدرسة والأقرب إلى إيقاعها اليومي، وأن الإدارة التعليمية بالمنطقة هي الأقرب إلى إدارة المدرسة، وأن وزير التعليم المركزي بالتالي بعيد عن هذا الإيقاع بحكم إشرافه على إدارات التعليم بكل مناطق المملكة، ثم هو أبعد ما يكون عن إدارات مدارسها.
ولكن هذا الأمر لا ينطبق فقط على القطاع التعليمي، وإنما يصح كقاعدة لكل القطاعات الأخرى الإنتاجية والخدمية.
ويعتبر هذا من بديهيات علوم الإدارة.
فمن أين يأتي الخلل إذن، والذي يحول دون توفير الخدمات التي تبذلها الدولة من أجل رفاه مواطنيها؟الخلل يأتي عن طريقين:ــ إما تقاعس وقصور وفشل الكوادر المنفذة للتوجهات الاستراتيجية لصانع القرار.
ــ وإما لفشل الموكل من قبل صانع القرار، في التوجيه الصحيح لإرادة صانع القرار، إما لعدم استيعابه لهذه الاستراتيجية، أو لفشله في متابعة تنفيذ القرار.
وأيا كانت الأسباب في هذا وذاك..إلا أن النتيجة واحدة وهي: عدم إنفاذ توجهات صانع القرار.
لقد اطلعت عن قرب على (تجربة) الأمير خالد الفيصل مع إمارة عسير، وربما هذا يسمح لي بأن أدلي بشهادتي عما شاهدته ولمسته.
لقد فهم سموه أن وظيفة أمير المنطقة والمشرف على إدارتها بأنه وكيل عن صانع القرار ــ الملك، وبالتالي فإنه ليس مفوضا فحسب، بل هو مأمور بإنفاذ إرادة الملك ــ صانع القرار لتحقيق رفاه المنطقة التي أسندت مسؤوليتها إليه.
بهذا الوعي فتح أمير المنطقة أمامه آفاقا واسعة للتحرك الإداري.
وكثيرا ما فاجأ الأمير خالد الفيصل العاملين في إدارة من الإدارات التابعة لإدارته بزيارة تفقدية غير معلن عنها مسبقا، لتجد الإدارة والعاملون في المرفق الأمير فجأة بينهم دون سابق إنذار، يتفقد المرفق وسير العمل فيه، واقفا على التفاصيل، مطلعا عليها، ومستمعا بصبرٍ وأناة إلى شرح ما سئل عنه، بتفهم، ثم يبدأ مناقشة التفاصيل مدليا برأيه، ومستمعا لما عند الآخرين.
لا أظنك بعدها في حاجة لمن يحدثك عن التأثير النفسي والدعم المعنوي الذي يستشعره العاملون وتستشعره الإدارة العليا لهذا الاهتمام المباشر من أمير المنطقة مع كل ما يمثله.
مع ما يستشعره إلى جانب ذلك هؤلاء العاملون وإدارتهم من ضرورة إعطاء عملهم اهتماما أكبر، وإنجاز المشاريع الموكلة إليهم في وقتها وبالمواصفات الموضوعة لها، لإحساسهم الدائم بوجود المسؤول الأعلى قربهم.
وثمة كثير من المواقف الطريفة، والمواقف الحرجة التي تحدث في هذه الزيارات المفاجئة، والتي يتداول حكاياتها العاملون في مختلف الإدارات الحكومية التابعة لإمارة منطقة مكة المكرمة، إلا أنها – هذه الزيارات المفاجئة والحضور في موقع العمل والاطلاع على إنجاز المراحل- تعكس وعيا إداريا، أو قل هي تطبيق لمبدأ إداري تكمن فيه عبقرية الإدارة الملهمة التي تعرف متى وأين تتواجد في المكان والزمان الملائمين.


 
إطبع هذه الصفحة