الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :الخـلــطـة
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 22/09/1436
نص الخبر :

طارق علي فدعق

فضلا تأمل في جمال شفرة الحلاقة.. في سمكها النحيف جدا وكأنها ورقة، ولمعان معدنها، ودقة صناعتها، وجودتها، وحجمها، وقوتها، وأدائها نسبة إلى أسعارها.. وبدون شك أنها من التحف الصناعية المتميزة. وإحدى مكونات أسرارها هي معدنها لأن «خلطة» عناصر مكوناتها هي جوهر الموضوع. خصائص الحديد الصلب منفردة لا توفر متطلبات الشفرات. وهناك العديد من العناصر التي تضيف خصائص خيالية للحديد لتجعل خصائصه متميزة جدا. من العناصر العجيبة التي لا نسمع عنها هي «المولي بي دنيوم» Molybdenum ...اسم دمه ثقيل ... وعموما فهو على وزن «مالي بدا اليوم»... ويتمتع بالعديد من الخصائص الرائعة ومنها أن ذراته كبيرة نسبة إلى العناصر الأخرى وهو يقاوم الحرارة بشكل عجيب فدرجة انصهاره تبلغ 2623 درجة مئوية وهي تفوق درجة انصهار الحديد بأكثر من ألف درجة مئوية...مما يجعله نسبيا أبرد من الثلج... الشاهد أن إحدى أهم استخداماته كانت في «ترويض» ذرات الحديد لكي تحافظ على ثباتها وقوتها بالذات على درجات الحرارة المرتفعة. وكانت إحدى قصص السرقات الصناعية الكبرى خلال مطلع الحرب العالمية الأولى. كانت ألمانيا تصنع مدافع عملاقة تطلق قذائفها لتبلغ أهدافا على مسافة تعادل المسافة من جدة إلى رابغ تقريبا. وكانت بحاجة إلى تقوية الحديد الصلب باستخدام عنصر «المالي بدا اليوم» وكان من الأسرار الصناعية المهمة. وكان متوفرا بكثرة في الولايات المتحدة فتمت محاولات ألمانية للحصول عليه قبل دخول أمريكا الحرب بخطط وأساليب ملتوية.

 
وقبل ذلك بمئات السنين كان الاهتمام بالسيوف اليابانية الحادة القوية من الأسرار الوطنية المهمة، وكانت خصائص السيوف تكمن في العديد من العناصر ومنها «الخلطة» في تشكيل الحديد الصلب. وتحديدا، فعند الحدادة تتم إضافة نسبة ضئيلة من الكربون إلى الحديد. ولكن لكي تضبط «الطبخة» كانت عملية التصنيع والتشكيل تتطلب إضافة عنصر «المالي بدا اليوم» بكميات ضئيلة جدا لتمنح الحديد القوة الجبارة، والدقة، والخفة، واللمعان المتميز بمشيئة الله. وعندما توفي ذلك الجيل من صانعي السيوف، دفنت معهم أسرار الخلطة لمئات السنين.
 
وبصراحة، هناك ما هو أهم من كل هذا ففي الحضارة الإسلامية تميزت السيوف بقوتها، وخفة وزنها، ولمعانها الجميل، ودقتها في القطع لدرجة أنها كانت شهيرة بقطع الحرير... وينعكس ذلك على أسمائها المتعددة الجميلة المعبرة عن مكانتها: السطام، الفيصل، البارق، الحسام، المهند، الحاسم، الحازم، ذو الفقار، الفاروق... وربما من أشهـر السيوف كان سيف القائد صلاح الدين الأيوبي فاتح القدس. وكان يتميز سيفه بقوة، وخفة وزن، وليونة، ودقة أسطورية واشتهـر باسم «الصلب الدمشقي» Damascene Steel وكانت خصائصه محيرة للعلماء لأن السيوف الحادة القوية عادة تكون صلبة قابلة للكسر، وثقيلة.. وبعد مرور مئات السنين على اختفاء تلك التقنية اليدوية الجميلة، أعلن العلماء في الولايات المتحدة وأوروبا أن أحد أسرار الصلب الدمشقي هي «خلطة» عناصر كانت تضاف بكميات ضئيلة. فمثلا كانت قشور الرمان تضاف إلى خلطة الحديد أثناء انصهاره فتكون طبقات كربونية مميزة لتمنحه خصائص الحديد الصلب بمشيئة الله. واكتشفوا أيضا أن الحدادين كانوا يضيفون بعض العناصر النادرة ومنها «الفانيديوم» ... وهناك المزيد: على أسطح تلك السيوف اكتشف العلماء أن ذرات الكربون «تتشعبط» بطرق عجيبة باستخدام خصائص أنابيب «النانو» الكربونية المذهلة Carbon Nanotubes. ولنقف هنا لحظة للتأمل: كيف اكتشفوا تلك المعادن النادرة، وكيف تم التعامل مع تقنية النانو قبل مئات السنين من اكتشافها.
 
أمـنـيــــة
 
من الصعب أن نجد تقنيات تضاهي الصلب الدمشقي لأن تصنيعه و «خلطته» الفريدة كانا سابقين لأوانهما بمئات السنين. ولكن «الخلطة» الأصعب هي في إنتاج الرجال، فأين سنجد أمثال من اشتهـروا باستخدام سيوف الصلب الدمشقي وفي مقدمتهـم صلاح الدين الأيوبي الذي وحد الشمل، وفتح القدس، وأوقف المعتدين بالقوة والأسلوب الحضاري في استخدامها. أتمنى أن نعيد اكتشاف الخلطات الإنسانية التي تصنع التاريخ المضيء .. والله المستعان.
 
وهو من وراء القصد.


 
إطبع هذه الصفحة