يبدو أن الرواية السعودية تعيش لحظتها الهادئة، فقد غاب ذلك الضجيج الإعلامي والنقدي وكذلك الاجتماعي الذي كان حاضراً قبل عدة سنوات وغابت أيضاً التساؤلات والرؤى التي كانت تجعل الرواية محط اهتمام أطياف المجتمع. وما نرصده الآن أن القارئ وحده هو الذي لا يزال يحمل بعض الود للرواية السعودية. وفي هذا الحوار نتعرف على رؤية الدكتور حسن النعمي، أستاذ السردية المعاصرة، في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة وأحد أهم الأصوات النقدية التي رافقت تشكل التجربة الروائية السعودية:

  • يقول الروائي التركي أورهان باموك: أنا أكتب، ليس لأروي قصة، ولكن لكي أؤلف قصة، هل تعتقد أن أزمتنا في الرواية السعودية أن الروائي لدينا هو أقرب إلى الناسخ لحكايات المجتمع القديمة والحديثة وأنه فقط يروي القصص ولا يؤلفها؟

    • أتفق مع ما ذهب إليه الروائي التركي أورهان باموك في أن دور الكاتب أن يبدع نسيجاً جمالياً ولا يروي قصة بالمعنى الحكائي. لكن فيما يتعلق بالرواية السعودية، وحتى العربية، الأمر نسبي؛ حيث إن هناك روايات كثيرة تتسم بالقيمة الفنية والجمالية التي هي أساس العمل السردي المعاصر. ورغم أن الحكاية أو القصة أو فكرة الرواية هي الأصل، إلا أن طريقة سردها والتعبير عنها هو الأهم. والجانب الجمالي هو ما يجعل الرواية نصاً قابلاً للحوار فلسفياً وجمالياً.
  • في مشهدنا السردي هناك حالة من المفارقة، فالعديد من الروايات السعودية تفوز بالجوائز ومنها جائزة البوكر وهي أهم جائزة عربية إلا أن النقاد وبشكل عام لديهم حالة من عدم الرضا والقارئ أيضاً لديه تصور سلبي، بل إن الكثير من الروائيين السعودية لديهم ذات التصور السلبي عن الرواية السعودية. هذه المفارقة كيف تقرأها؟

    • الأمر محكوم بالنسبية. فلا شيء يحمل صورة الإطلاق. فالرضا من عدمه نسبي بالضرورة، والمعطيات التي تحكم عملية التلقي تختلف من قارئ لآخر. فالخلفية الثقافية والمعرفية للقراء تتغير بالخبرات والاحتكاك الثقافي. وفي الغالب لا تفوز رواية ما بجائزة مرموقة إلا ويُختلف حولها، والاختلاف ليس بالضرورة دائماً لأسباب موضوعية أو فنية، بل أحياناً لأسباب خاصة. وسؤالك يلخص أن الجميع من كتاب ونقّاد وقراء لديهم تصور سلبي عن الرواية السعودية. فهل هناك من حيث المبدأ معيار دقيق لقياس هذا التصور السلبي؟! قياس تطور الرواية من عدمها لا يقاس على درجة التصور أو الانطباع، إنما يقاس بدراسة الأعمال ووضعها في سياقها في مسيرة الرواية السعودية، تأمل هذا الإطار لقياس تطور الرواية:

-هناك نسبة الإقبال على القراءة أو الاقتناء الذي قد يؤدي للقراءة.

-هناك كثافة الملتقيات التي تعقد لدارسة الرواية.

  • هناك حجم الدراسات الجامعية التي تتزايد حول دراسة الروية بكثافة كبيرة.

  • هناك فوز ثلاثة روائيين سعوديين (عبده خال، رجاء عالم، محمد حسن علوان) بأهم جائزة وهي البوكر بثلاث دورات من أصل عشر وهو عمر الجائزة. أليست هذه معطيات معقولة للقياس؟!!

  • كان لك رأي سابق وهو أن الرواية السعودية لا تٌقرأ من باب الفن بل تٌقرأ كونها وثيقة اجتماعية. هل ما زلت معتقداً بذلك الرأي وهل لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً في تغييب أهمية الرواية السعودية سواء كفن إبداعي أو كوثيقة اجتماعية؟

    • مشكلة تلقي الرواية مشكلة معقدة، الثقافة المحافظة لها اشتراطاتها لتطويع الفنون وتوجيهها بما ينسجم مع ذائقة المجتمع. منها قراءة الرواية بوصفها منشوراً اجتماعياً قابلاً للمحاكمة. الشواهد كثيرة ليس في السعودية فحسب، بل حتى في البلدان العربية. ومصادرة ألف ليلة وليلة في عام 1985 في القاهرة والدعوة لسحبها بحجة أنها تخدش الحياء العام. وفي السعودية لا يختلف الأمر، فرواية بنات الرياض نُظر إليها بوصفها منشوراً اجتماعياً يفضح المجتمع، ولم ينظر إليها على أنها صورة مجازية تعبر عن وجهة نظر كاتبتها تجاه الحياة والمجتمع. أما عن دور وسائل التواصل الاجتماعي فلا أرى علاقة مباشرة بين الرواية بوصفها فناً متسع المساحة وهذه الوسائط، ولو كان السؤال عن القصة القصيرة أو القصة القصيرة جداً لاختلفت الإجابة. أما الرواية فلها سياقها المختلف. إلا إذا أخذنا فائدة الترويج للرواية نقطة علاقة بينهما، وهي علاقة تتعمد إظهار الجانب الإعلاني التجاري أو التداولي ليس إلا.
  • ما قصدته بدور الـ(social-media) أو وسائل التواصل الاجتماعية وعلاقته بالراوية، أن المتلقي وجد في تلك الوسائل ما كان يجده في الرواية من رؤية وتفاصيل عن المجتمع ومن ثم ضعف اهتمامه بقراءة الرواية السعودية؟

    • هذا الربط غير دقيق. فلا أرى علاقة بين الرواية ووسائل التواصل الاجتماعي؛ وذلك لأسباب مختلفة، منها: أولاً: أن الرواية بنية مغلقة على ذاتها لا يمكن اختراقها، بمعنى الإضافة إليها أو تهميشها بالحذف. أما نثار (social-media) فمفتوح البنية يسمح بالتمدد والانكماش حسب تواصل المتلقي، وثانياً: أن الرواية لها مركز، وهذا غير موجود في وسائل الـ(social-media)، وأخيراً أن الرواية بنية متخيلة، ونثار الـ(social-media) مجرد تراكم معلوماتي موضوعي وذاتي. فأية علاقة يمكن أن تكون بينهما، في الحقيقة أنا لا أرى هذه العلاقة وإن رآها غيري.
  • كنت ترى أن غازي القصيبي "رحمه الله" وتركي الحمد فتحا باب الجرأة في الرواية السعودية – وأنهما رفعا سقف الرواية في هذا الجانب. لكن في تصوري أن تلك الجرأة لم يصاحبها عمق فني – لذا استسهل الكثير كتابة الرواية اعتقاداً منهم أن روايات القصيبي وتركي الحمد هي النموذج للرواية الجيدة؟

  • دائماً يقال إن الرائد لا يكذب أهله. القصيبي والحمد استهلا حقبة جديدة في مسيرة الرواية السعودية، أهم ما فيها أنهما أزالا رهبة الاقتراب من الموضوعات ذي الحساسية الاجتماعية. ما فعلاه أكد أن الرواية نص يمكن أن يشاكس ما اطمأنت إليه الثقافة المحافظة. وفجأة ومع متغيرات مختلفة جاءت الرواية وفية لتجربتها. من الناحية الفنية تختلف المقاييس حقيقة، وتختلف تجربة غازي القصيبي عن تجربة تركي الحمد. القصيبي قادم من خيمة الشعراء، فبعد أن تشبعت تجربته الشعرية بالرؤية التأملية، سعى أن يتقرب من السياقات الاجتماعية، ولم يجد أكثر من الرواية يمكن أن تلبي احتياجه. تجربة القصيبي لا تندرج تحت تجربة الرواية الواقعية فهي رؤية فنتازية، تخلق واقعها لترمي بظلالها على الواقع، فخطابه ساخر ووقعه أشد في التحريض على الأسئلة. القصيبي يكتب بأدوات الاستطراد لا يؤمن بمركزية النص وهذا خاصة في العصفورية وأبو شلاخ البرمائي. ما يكتبه قضايا واقعية، لكن سياقها تضيف دلالتها أكبر من حجم المشكلة التي في الواقع. القصيبي يستعين بفن الكاريكاتير الذي يعتمد على المبالغة وتضخيم الصورة، القصيبي يطبق مقولة أعذب الشعر أكذبه على نصه الروائي المراوغ. أما تركي الحمد فهو كاتب رأي في الأصل، مهتم بالتاريخ والسياسة، جاء للرواية من أجل تمرير خطابه الذي قد لا يقبله الواقع. فهم الرواية على أنها خطاب للأفكار أكثر من كونها خطاباً جمالياً. استوعب في روايته أهم مفاصل التحولات الاجتماعية. وواضح أن فكرة الرواية الفنية لم تكن مشروعه على العكس من عبده خال، وهو قد تزامن مع القصيبي والحمد في تدشين تلك المرحلة في منتصف التسعينيات الميلادية. ومثلما قبلنا رواية ”التوأمان“، التي صدرت في عام 1930، لعبد القدوس الأنصاري بوصفها الرواية الأولى في مسيرة الراوية السعودية، نقبل تجربة القصيبي والحمد من منطلق أهمية التجربتين لما بعدهما.

  • في الرواية السعودية لا توجد غالباً شخصية تتراجع عن التطرف وتنتمي إلى تيار آخر أكثر انفتاحاً بل غالباً ما نجد أن النمطية حاضرة حيث يتكرر نموذج الشخصيات الروائية التي تتحول من الانفتاح إلى حالة التطرف. كيف تفسر وجود هذه الظاهرة؟

  • ذكرت الرواية السعودية بما يشبه التعميم، واخترت فكرة الشخصية المتطرفة، مع أن حجم حضورها قليل جداً، ثم تبنيت حكماً كبيراً يترتب عليه الشيء الكثير. وهذا انحياز ليس من طبيعة الدراسات العلمية. السؤال الذي أراه ملائماً هو سؤال البعد الجمالي لبناء الشخصية. أتفق معك هناك نمطية في بعض الروايات تتعلق بتصوير الشخصيات أو ضعف نموها. وهذا يعود إلى فشل بعض الكتاب في فهم الفرق بين ملامح الشخصية الواقعية في المجتمع، والشخصية المتخيلة المستنبتة من الواقع. وهذا الخلط يؤدي إلى فقر الشخصيات وعدم نموها؛ لأن كاتبها مقيد بالصورة الواقعية لرسم الشخصيات. ومن هنا يقع بعض الكتاب في تكرار الصور النمطية عند تصوير الشخصيات.

*عاش الروائي السعودي في رفاهية، على فكرة أنه بطل قومي يكتب عن المحظور اجتماعياً والمسكوت عنه. على أمجاد أنه الواعظ الإبداعي، تنعم بهذه المزايا؛ حيث لا أحد يسأل في الرواية عن الناحية الفنية، ولأن خصوم الرواية كانوا ينظرون إلى البعد الأخلاقي في الروايات. كيف ترى هذا الأمر؟

تركي الحمد كاتب رأي أكثر منه روائي

«بنات الرياض» حوكمت كمنشور اجتماعي فاضح

غازي القصيبي قادم من خيمة الشعراء

عبده خال ورجاء عالم نموذجان للروائي المبتكر

  • مرة أخرى أختلف وأتفق. أختلف مع التعميم، وأتفق مع مسألة عدم فهم بعض الكتاب لدورهم في صناعة الرواية. صناعة الرواية يجب أن تكون صناعة جمالية توحي ولا تفصح، وتقدم الجانب الفني على القول الخطابي؛ إذ إن عجز بعض الروائيين أن يبهروا نتيجة بحثهم عن الموضوع المثير دون خدمته فنياً، فالرواية ليست خطاب الأفكار المباشرة، بل خطاب أفكار متبلورة في صيغ جمالية مبهرة. ولا شك أن بعض الروائيين استغلوا حساسية المجتمع تجاه بعض القضايا فعبروا عنها بخطاب مباشر فيه من التسطيح الشيء الكثير. والأخطر من ذلك خلو روايات الأفكار هذه من مقومات الصيغ السردية الجمالية، حتى ليظن القارئ ألا موهبة عند كتابها. وبشكل عام فنحن نتحدث عن بعض الكتاب، لكن كتاباً آخرين قدموا روايات متطورة جمالياً، فيها تجارب وموضوعات تتجلى فيها روح الابتكار. ومن يقرأ روايات رجاء عالم، محمد حسن علوان، عبده خال، عواض العصيمي، أميمة الخميس، يوسف المحيميد، وغيرهم يلاحظ هذا العطاء المختلف.

  • إذا كانت شخصية المثقف قد عانت من التنميط، ومن الصورة الجاهزة في الرواية العربية بشكل عام، والرواية السعودية بشكل خاص، فإن الشخصية الليبرالية في الرواية السعودية في طريقها إلى ذلك التنميط؛ لذا نجدها شخصية يائسة مهزومة وأحياناً عابثة. ليس هناك نموذج مدهش لتلك الشخصية - كيف ترى هذا الأمر؟

  • ما ذكرته في إجابة السؤال السابق عن الشخصية المتطرفة يمكن أن أكرره هنا. فالقضية تكمن في عدم قدرة بعض الكتاب استثمار النموذج الواقعي للشخصيات والبناء عليه بما يضمن تحقق الغاية الفنية. فكما ذكرت ليس مهماً الفكرة وحشد الشخصيات، بل المهم كيفية تقديمها سردياً. يضاف إلى ذلك عامل مهم هو عامل التلقي؛ حيث إن وقوع بعض القراء تحت تأثير النماذج الواقعية يجعله مقيد المخيلة في بناء شخصيات تتجاوز صلتها الواقع، فالشخصيات الروائية ليست مجرد استدعاء دون إضافة المقومات الجمالية. مهما كانت الشخصية فإن الدواعي الفنية تقتضي التعامل مع وجودها الواقعي بوصفه مرجعية، وما تبقى من الشخصية - وهو كثير-فمتخيل ينشد الإيحاء بالأفكار وليس مطابقتها مع الواقع.