الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :لماذا لا نوطن العقول النابغة ؟ (2)
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 10/05/1430
نص الخبر :
الأربعاء, 3 يونيو 2009
أ.د. إبراهيم إسماعيل كتبي

أستكمل ما سبق وأشرت إليه عن الهدر المستمر للعائد من العقول العلمية المتميزة التي جاءتنا أو سعينا إليها، وغياب المنفعة الحقيقية على المدى البعيد. فجامعاتنا منذ قيامها وتوسعها أفقيا ورأسيا، تعاقدت مع مئات بل آلاف العقول من الدول العربية والإسلامية والعالم، ومن هذه العقول من حصل على جوائز عالمية.
وأشرت إلى أننا تعاقدنا مع هذه الكفاءات العلمية على أساس التدريس أو مهام محددة كخبراء وغادروا بانقضائها، وكما قلت منهم من عاد إلى بلادنا لكن مدعو لتسلم جائزة الملك فيصل العالمية أو إلقاء محاضرة أو مشاركة في مؤتمرات.
هذا الواقع لا ولن يفيد بلادنا إذا بقي الهدف محصورا في ذلك، بينما الدول المتقدمة هيأت من الحوافز والإغراءات العلمية والتقنية والمادية والإقامة ومن ثم التجنيس، وطبقا لإحصاءات منظمة العمل العربية ومنظمات دولية فإن العالم العربي يساهم بنحو 40% من هجرة الكفاءات العلمية والمهنية في العالم (450 ألفا) في تخصصات دقيقة في الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة الوراثية، وأن نحو 50% ممن درسوا ونالوا الشهادات العلمية وتخصصوا لم يعودوا إلى أوطانهم ومنهم أصحاب نظريات وبراءات علمية.
والمحصلة أن هجرة الأدمغة العربية فقط بلغت خسائرها على أمتنا وفقا للتقديرات أكثر من 200 مليار دولار مع بداية الألفية الثالثة، هي في نفس الوقت تعني مكاسب للدول الجاذبة. وبلغة الاقتصاد فإن الصناعات التقنية التي قامت على نظريات العلماء تقدر بمئات التريليونات في حركة التجارة العالمية.
أضرب هذا المثال لأوضح أن الفجوة مع العالم الأول ليس فقط في المحصلة، وإنما أساسا في طبيعة الأنظمة والقوانين الجاذبة والموطنة للعقول والعلماء واستقرارها بإقامة دائمة أو التجنيس، ومخصصات هائلة للأبحاث وتطبيقاتها، لذا التطور عندهم هائل ويقودون به اقتصاديات العالم، وعندنا عشر سنوات قد تمضي ونحن في نفس الحلقة المفرغة، فيما دول مثل ماليزيا وسنغافورة والهند لديها تجارب تستحق الاطلاع عليها.
أعود إلى موضوعنا عن توطين العقول وأقول إن لدينا ميزة نسبية لا تتوفر لكثير من الدول إن كان في منطقتنا أو بقية العالم النامي وهي توفر القدرة المادية وبنية أساسية علمية معقولة يمكن الانطلاق منها عبر مسارين العقول البشرية والجامعات ومراكز البحث والتركيز على الأبحاث، واستقدامنا للعقول الأكاديمية والعلمية.
فهذه الخبرات موجودة أصلا وتعمل في جامعاتنا ومؤسسات علمية كبرى.. فلماذا لا تهيأ لهم أسباب الاستقرار ليس للعمل الأكاديمي فقط، وإنما بيئة مناسبة للابتكار والتطبيقات ولدينا النموذج الأهم في ذلك ألا وهو جامعة الملك عبد الله والمدن التقنية الجديدة، وهذا يستدعي التعامل المباشر مع قضية كهذه بكل أسبابها من حيث مراجعة الأنظمة وتطويرها بما يحقق توطين العقول العلمية المتميزة التي تعمل في بلادنا والتي يمكن جذبها من علماء الأمة في الخارج.
إن هؤلاء ثروة حقيقية إن كان في قيمتهم العلمية أو في تأثير وجودهم على الصعيد الاقتصادي والتقني والبحثي.. وعندما تستقر هذه العقول في بلادنا وتوطينها وفق أنظمة مشجعة لهم، ستقام حتما بيئة علمية متطورة سيصاحبها مشروعات علمية أكثر تخصصا وستشهد استثمارات جديدة في مجالاتها وتخصصاتها ستستوعب كفاءات وطنية من الخريجين المتخصصين، ومن هنا تتحقق النتائج على أرض الواقع في الصناعة والطب والهندسة والعلوم الحيوية والزراعة وكل مناحي الحياة.
الصروح والتجهيزات فقط لا تكفي دون عقول، والكفاءات العلمية وحدها لا تنتج ولا تساهم دون هذه الإمكانات، وكلاهما بدون أنظمة ومخصصات وآليات تطبيق لن تتجاوز المحصلة عقولهم أو قاعات محاضراتهم ومعاملهم، ويظل الواقع العمل الأوسع بيئة معطلة ومثبطة للموهوبين والنابهين والمبتكرين من أبنائنا الخريجين والخريجات، ويصبح مبلغ علمهم شهادة تخرج، وأكبر همنا توظيفهم وأكبر طموحاتهم الاستقرار في لقمة العيش.
ولهذا أتصور حتمية إعادة النظر في واقع الاستفادة من العقول العلمية الموجودة بيننا لنتائجها العظيمة.. أما كيف ومتى فهذا ما نتمنى أن يجد خطوات مدروسة عاجلة غير آجلة.


 
إطبع هذه الصفحة