كتبت مراراً في هذه الصحيفة الغراء عن العلاقات القوية الأبوية التي تربطنا نحن أساتذة الجامعات بأبنائنا الطلاب، وبناتنا الطالبات ممن درسوا معنا في مختلف المستويات الجامعية من البكالوريوس حتى الدكتوراه، وهذه الأبوة لا تنتهي بتخرجهم، بل تزداد قوة ومتانة بعد أن يخرجوا إلى معترك الحياة، ويدأبوا على وصلنا والسؤال عنا، ولطالما استمر ذلك لعشرات السنين دون مبالغة، وعلاقتنا بأبنائنا وبناتنا ممن حصلوا على درجة الدكتوراة، ثم زاملونا من بعد، أحسبها أكثر قوة، بل إن بعضهم أصبحوا رؤساء أقسام، أو عمداء في جامعاتنا، وما أجمل أن يصبح ابنك رئيساً لك في العمل ويخاطبك بأستاذي ويقبِّل رأسك أمام بقية الزملاء وأمام الطلاب ليعلّمهم دروساً في الوفاء، وفي تقدير العلم والعلماء، «والعلم رحم بين أهله»، كما هو معروف، لذا فإن أبناء العلم لا يقلون في وفائهم وبرِّهم بأساتذتهم عن أبناء النسب، وقد سجلت مواقف كثيرة مررت بها مع أبنائي وبناتي من حملة الدكتوراة ممن تبوؤا مناصب رفيعة وبقوا على تقديرهم وإجلالهم لأساتذتهم، وخصصت مقالة كاملة في هذه الصحيفة حول هذا الموضوع عنوانها: «أولئك أبنائي فجئني بمثلهم»، يمكن لمن شاء الرجوع إليها في سجل مقالاتي الإلكتروني، وبمقابل هذا الوفاء والإجلال من الطلاب لأساتذتهم، ومن الأبناء الذين أصبحوا زملاء لنا ملء السمع والبصر، لابد من أن نبادلهم التقدير بمثله ونتعامل معهم على أنهم أقران لنا كما يخاوي الأب منا ابنه إن كبر، ولا يتعامل معه بفوقية، بل إنه مأمور بأن يعين ابنه على برِّه، وذلك ينصرف إلى أبناء العلم أكثر من انصرافه إلى أبناء النسب، فلا يجوز بحال من الأحوال أن نسفِّه أحلامهم، ولا أن نظهر لهم أننا أعلم منهم، ولا نأمرهم ولا ننهاهم، وقبل ذلك كله لا يجوز لنا بحال من الأحوال أن نسيء إليهم بالتنابز بالألقاب، ونحاول فرض إرادتنا عليهم، ليوسم الأستاذ الكبير في هذه الأحوال بأنه يسيء إلى زملائه ويتعبهم، وفي حال حدوث مثل تلك التجاوزات -وهي لا تحدث إلا لماماً، ولا توصف إلا بأنها حالات شاذة-، فإن الأبناء قد لا يقابلون الإساءة بمثلها تقديراً لأستاذهم، ليس لضعف فيهم، ولكن لخلق تحلّوا به يمليه عليهم دينهم وتربيتهم، ولكن، في الوقت نفسه لابد من أن يُنبّه ويردع من تجاوز أخلاقيات التعامل الراقي المتحضر من الأساتذة الكبار أو من هم دونهم سناً من زملائهم، فهم جميعاً صفوة المجتمع ونخبته.

وأضرب مثلاً بالكيفية التي تعاملنا بها مع أساتذة لنا أو من هم في مقام أساتذتنا من قسم اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الملك عبدالعزيز: الأستاذ الدكتور عمر الطيب الساسي، رحمه الله، مؤسس قسم اللغة العربية، والأستاذ الدكتور عبدالمحسن فراج القحطاني، أحد الأساتذة الأوائل في القسم، فقد كنا وما نزال نكنُّ لهما كل تقدير واحترام، لأنهما تعاملا معنا جميعاً أنا ومن جايلني من أساتذة القسم على أننا زملاء لهما متساوون معهما في الحقوق والواجبات، ولو اختلفا معنا في أمر، فإنه لا يفسد ودّنا ويعالج بالحكمة والروية والتؤدة دون إسفاف أو تجاوز لقواعد الاحترام التي لا يتجاوزها إلا مُسفٌّ متجردٌ من كل معاني وأدبيات السلوك الإسلامي أولاً والمتحضر ثانياً.

وبناء عليه، فإننا كنا وما نزال لا نقبل أي إساءة «للساسي» أو «للقحطاني» من أي طرف، ومن أساء إليهما لنا الحق في ردعه، بل وبمقاضاته، ومن واجبنا تجاه الأساتذة الرواد والمؤسسين أن نكرم كذلك أبناءهم، ولا نهينهم.

وأختم هذه المقالة بما بدأتها به من التأكيد على أن الأستاذ القدوة الذي يستحق البقاء في صفوف العلماء في الجامعات وسواها، لا يسيء لزملائه بأي وجه، وإنما هو مريح ومفرح وهيِّن وليِّن وينال رضا الجميع.