الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :“التعليم العام” بين ثقافتين!!
الجهة المعنية :التعليم العالي
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 30/06/1430
نص الخبر :
الثلاثاء, 23 يونيو 2009
د. خضر محمد الـشـيباني

ليس جديداً أن يتميّز (العالم الحديث) بالصراع بين (ثقافتين)؛ هما (ثقافة العلم والتقنية) من ناحية، وثقافة (الكلام والجدل) من ناحية أخرى؛ ولقد أدركت المجتمعات الغربية ذلك الأمر منذ أمد طويل عندما اكتشفت في (العلوم الطبيعية) مصدراً أكيداً وواعداً للفكر المنظّم، والتحليل المنضبط، والإنجازات الملموسة، والقفزات الإنتاجية؛ ولقد تمكّن المفكر البريطاني تشارلز سنو من صياغة ذلك الصراع في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي عبر طرحه لقضية (إشكالية الثقافتين) لتُصبح مصطلحاً حيوياً في أدبيات (الفكر الغربي المعاصر)، ولتؤثّر تأثيراً بالغاً على التفاعلات الفكرية، والقرارات السياسية، والمخاض المجتمعي.
لقد اعتبر تشارلز سنو أن المجتمعات الغربية، ونظامها التعليمي، وحياتها الفكرية؛ كل ذلك يُعاني من شرخ بين الثقافتين: (ثقافة الآداب والعلوم الإنسانية) من جهة، و(ثقافة العلوم الطبيعية) من جهة أخرى، ورأى سنو أن هذا الشرخ يُمثّل خطراً كبيراً يُهدّد رفاهية المجتمع الغربي ومستقبله حيث يقول: ( إنه من الخطر أن يكون لدينا ثقافتان لا يمكنهما التواصل فيما بينهما في الوقت الذي تُقرّر فيه العلوم الجزء الأكبر من مصيرنا).
لذا فإنه ليس غريباً على مجتمعات ما زالت تستورد (العلم الحديث)، وتشتري منتجاته، أن يكون حالها أسوأ بكثير من حال المجتمعات المتقدّمة من حيث طبيعة الأزمة بين (الثقافتين)؛ وفي عالمنا العربي اتّخذ الصراع بين (الثقافتين) أشكالاً متعدّدة من أبرزها ثنائية (التراث والحداثة)؛ وهي ثنائية تبنّى طرفاها المتصارعان (ثقافة الكلام والجدل) فلم يخرجا بذلك إلى حيّز الثقافة القادرة على فكّ الاشتباك المفتَعل في حالات كثيرة، والحامل لأهواء مزاجية في حالات أخرى، ولذا بقي الصراع على مدى قرنين يتأجّج مع كل حادث وطارئ.
بالنسبة لـ(إشكالية الثقافتين) في العالم الغربي كان وضوح الطرف الثاني وتشخيصه في (ثقافة العلم) سبباً للنجاح في تحديد العلاج حيث تأكّد العلاج في ضرورة تغلغل تلك (الثقافة الجديدة) في الفكر المعاصر، وأهمية تفاعلِها مع (الثقافة الجماهيرية)؛ وأما (الثقافة العربية) فإنها ما زالت بعيدةً عن ذلك (المنعطف الثقافي) والفكري الهام، فهي ما زالت تغوص في ثقافة (الكلام والإنشائيات والجدل) في صراع يُحيط به الغموض والتعميم، وتُهيمن عليه الأساليب البلاغية، والحماس الوجداني، والانفعالات الآنية.
مثل تلك الثقافة المهيمنة كان لا بدّ لها أن تتغلغل في (النظام التعليمي)؛ ولو تأمّلنا طروحاتنا عن التعليم على مدى عقود من الزمان لوجدناها تراوح مكانها في إطار الوصف والجدل والإنشائيات والحديث الذي لا ينتهي عن التطوير، واستجدّت عليها، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، اتهامات (أدلجة التعليم)، والزجّ بالمناهج الشرعية في صلب صراع مُفتعل، ولكنه (حبّ الجدل) الذي يُميّز ثقافةً كلاميةً إنشائيةً انفعالية.
وهكذا بقيت معظم إشكالاتنا التعليمية تصبّ في خانة (الثقافة) التي لم تتعلّم كيف تضع المعايير الدقيقة، والمنهجية العملية؛ فثقافة الوجدان والعاطفة لا يُمكن لها إلاّ أن تكون ثقافة انفعالات آنية، وقرارات مرتجلة، ومصالح مؤقتة، وهكذا غابت عنها تلك العقلانية التي تهتم بموازين صارمة، وتتعامل مع روح العصر الذي يفرض مقتضيات تسمو فوق القرار الفردي، أو النزعة المضطربة، أو طلب الشهرة الخادعة.
لقد جرّبنا كل شيء في متون الكلام وشروحات الجدل، ولكننا لم نجرّب بعد تلك (الثقافة) التي استطاعت أن تُحقّق للعالم المتقدّم مجده وإنجازاته، وهي (الثقافة العلمية)، فتجاربنا ومحاولاتنا في كل اتجاه لتوطين التقنية، ونقل العلوم، والدخول إلى عالم الكبار إنتاجاً وإسهاماً في (الحركة العلمية - التقنية)، لا يُمكن أن تتحقّق في فراغ حيث إنه لا بدّ لها من وسط يدعم مقوّماتها، ويُكيّف صورها، ويضبط اتجاهاتها، ويُغذّيها بالعقول والمواهب، ويسندها بالسياسات والقرارات.
من هذا المنطلق فإن اختراق (الثقافة العلمية) للنظام التعليمي، وتغلغلها في نسيجه الإداري والتعليمي والتخطيطي والتجهيزي، شرط لا مناص عنه إن كنا نريد فعلاً الولوج باقتدار إلى (مجتمع المعرفة) الذي يضع شروطاً قاسية على الراغبين في الانضمام إليه، وعلى رأسها (الشرط الثقافي) المتمثّل في مخرجات قادرة على تمثّل (روح التنمية)، والتفاعل مع العصر، واستيعاب معطياته، وتطويع إيجابياته، وتقليص سلبياته.
إنّ البحث عن نقطة التوازن في (البندول الفكري) للعالم العربي يعود إلى قرون طويلة مرّت بها الأمة باضطرابات فكرية، وتقلّبات اجتماعية، وإخفاقات سياسية، وهزائم عسكرية، ويبقى التحدّي في أقسى أشكاله ونحن ندلف إلى الألفية الثالثة؛ ومن الواضح - انطلاقاً من الطبيعة المعرفية لهذا العصر - أن (نقطة التوازن) لن تتحقّق إلاّ في (وسط تعليمي- معرفي) كثيف تقوم فيه «الثقافة العلمية» بدور محوري بارز بحيث تتمكّن عبر أدواتها الرصينة، وتفاعلاتها المنضبطة، ومبادراتها الحيوية، من تطوير تجارب تنموية تصنع أسئلتها، وتضع إجاباتها، وتواجه تحدياتها، وتبني عقولها في (مجتمع المعرفة) المنطلق دون توقّف، والمتسارع دون انتظار.
أدري أن إحداث (النقلة النوعية) اللازمة للقفز من أسر (ثقافة الكلام والجدل) إلى (ثقافة العلم والتقنية) أمر صعب تُعاني منه الدول المتقدمة فكيف الحال بدول ما زالت تتلّمس طريقها إلى (مجتمع المعرفة)؟؛ ولن يكون الطريق مفروشاً بالورود، وسيتطلّب الأمر صبراً ومثابرةً وحكمةً وجرأة، وكل ذلك صحيح ولكن ما هو صحيح أيضاً أن لا خيار لنا في الأمر إن أردنا مجتمعاً معاصراً قادراً على أن يهيئ لأبنائه حياةً كريمةً، واستقراراً راسخاً، وكياناً متيناً.


 
إطبع هذه الصفحة