الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :المباني التعليمية: هل يحذو التعليم العالي حذو التعليم العام؟
الجهة المعنية :التعليم العالي
المصدر : جريد الاقتصادية
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 30/06/1430
نص الخبر :
د. عبدالرحمن الطريري

تعود الذاكرة إلى قبل أربعين سنة حين قام أحد الأقارب ببناء مدرسة من الطين واللبن وأجرها على وزارة المعارف, هذه المدرسة لا تزال تحتفظ بهيكلها العام رغم عوامل التعرية, والأمطار, وانعدام الصيانة, وبالطبع غير مستخدمة في الوقت الراهن, لكنها تمثل شاهداً على مراعاة الشروط الصحية الواجب توافرها في المبنى المدرسي رغم قلة الخبرة, والمهندسين, وربما عدم وضوح الأنظمة الخاصة بالمباني المدرسية في تلك الفترة أو عدم إلزاميتها، وذلك لقلة المباني الممكن استخدامها للأغراض التعليمية والتربوية.

المدرسة هي المدرسة الفيصلية الابتدائية في محافظة الزلفي، والتي تخرجت فيها مع بعض الزملاء الأعزاء, تذكرت هذه المدرسة وأنا أشاهد مباني ليس لها من مواصفات, وخصائص المدرسة سوى الاسم, ذلك أن هذه المباني لم تبن في الأساس كمدارس، بل هي مبان سكنية على شكل شقق, أو فلل لكن الجهات المعنية كوزارة التربية, والتعليم تنازلت عن الشروط, والمواصفات الواجب توافرها في المبنى المدرسي. مع قدم الفترة الزمنية التي بنيت فيها تلك المدرسة إلا أن تصميمها يتوافر فيه كثير من الخصائص الإيجابية, إذ إن الفصول عملت على شكل حرف "لـ" مع وجود نوافذ لكل فصل دراسي من جهتين, ووجود ساحتين ساحة في الوسط بين الفصول للطابور الصباحي, وساحة خلفية للنشاطات الرياضية وبالذات حصة التربية البدنية, وجزء منها وضع خصيصاً كحديقة تستخدم في مادة العلوم بغرض زراعة بعض النباتات, والتعرف على الخصائص النمائية من قبل الطلاب, وشرح وإيضاح من قبل معلم العلوم, كما يوجد مصابيح أو ليوان يظلل مقدمة الفصول لحمايتها من الشمس, والأمطار, والهواء الشديد.

عقود هي الفارق الزمني بين الوقت الراهن, والفترة التي بنيت فيها تلك المدرسة, وتخرج فيها كثير من الكوادر في كافة المجالات والذين أسهموا في خدمة الوطن وفي مواقع متعددة, ولا شك أن المقارنة بين الحقبتين غير ممكنة لا من حيث الخبرة العمرانية, ولا مواد البناء, ولا الثقافة العامة على مستوى الوطن والتي يفترض أن تؤثر في شكل المبنى المدرسي, والشروط الواجب توافرها فيه, ومع ذلك بمقارنة ذلك المبنى الذي شيد في تلك الظروف ببعض المباني المستأجرة في الوقت الراهن سواء كانت حكومية, أو أهلية يجد المرء أن ذلك المبنى الطيني توافرت فيه شروط التهوية, والإنارة الطبيعية, والساحات الفسيحة التي تسمح للطلاب بالحركة, ومزاولة النشاطات البدنية بكل حرية, وبشكل يجدد النشاط ويرفع من الدافعية لدى الناشئة, ويجذبهم إلى مدرستهم, ويحببهم فيها إضافة إلى الحديقة لتطبيق مبدأ التعلم التطبيقي.

أشعر بالقشعريرة ولا أبالغ في ذلك حين التفت يمنة ويسرة في أحياء مدينة الرياض, أو غيرها من مدن المملكة, فرأيت مبنى مدرسياً على شكل عمارة مكونة من شقق, أو فيلا تم تحويلها قسراً إلى مدرسة. وزارة التربية والتعليم في الوقت الراهن يتوافر فيها مهندسون, ووكالة خاصة بالمباني المدرسية, كما أن الميزانيات الهائلة التي تخصصها الدولة لمرفق التعليم تتضمن بنوداً للمرافق والمنشآت, ومع ذلك تستمر, وتزداد مظاهر المدارس المستأجرة سواء كانت حكومية أو أهلية. كلما مررت بهذا النوع من المدارس أتساءل كيف تتم العملية التعليمية في مبنى كهذا؟ وأين شروط السلامة؟ وكيف وأين يلعب الطلاب ويزاولون الأنشطة, ويفرغون شحناتهم وطاقاتهم الهائلة؟

الأدبيات الخاصة بجودة التعليم تأخذ في اعتبارها المبنى المدرسي في مساحته, وتصميمه, وتهويته, وإنارته, وتوافر شروط السلامة فيه لكن بعض المباني تفتقد هذه الخصائص, وكم تساءلت: هل وزارة التربية والتعليم تنازلت عن شروط الجودة التعليمية ذات العلاقة بالمبنى المدرسي, أم أن هذا الوضع مؤقت ولدى الوزارة خطة مستقبلية لتجاوز هذا الوضع؟

إن من شروط المبنى المدرسي المناسب توافر مساحة محددة لكل طالب في الفصل, وفي المختبر, وفي الساحة, وفي كافة المرافق من مراسم,ودورات مياه, وممرات وغيرها, وذلك ضماناً لتوافر بيئة تعليمية ملائمة, وما من شك أن المعنيين في الوزارة لا تغيب عنهم هذه المواصفات, كما أنه لا يمكن تصور تنازلهم عن المعايير لكن ربما لكثرة الطلب على التعليم حدث, ويحدث هذا الوضع رغم أن هذا ليس مبرراً مقبولاً, وذلك للآثار السلبية على العملية التعليمية, والتربوية. ولعل الفترة القادمة تكون فرصة لتصحيح وضع المدارس من هذا النوع سواء كانت حكومية أو أهلية إن لم تكن هناك ضغوط تمارس على الجهات المعنية أو إن لم تكن هناك مصالح تدعو إلى التغاضي عن هذا الوضع.

التعليم العالي ليس بمنأى عن هذه الملاحظة فوزارة التعليم العالي بدأت تعطي تراخيص لجامعات, وكليات أهلية, وفي مبان ليست معدة أساساً لتكون مرافق أكاديمية, كما أن بعض الجامعات الحكومية تفتقر مبانيها للشروط والمواصفات المعتبرة, وما أخشاه أن توصلنا بداية كهذه إلى وضع كنا نشاهده في دول مجاورة حيث الجامعات والكليات في شقق يستحيل معها تحقيق أي مستوى من مستويات الجودة فهل نعيد النظر في هذه المباني, وفي التراخيص قبل تفاقم الوضع, ومن ثم صعوبة إن لم يكن استحالة معالجته. لقد زرت دولاً مجاورة وشاهدت لوحات لجامعات وكليات على شقق يأنف المرء من دخولها فكيف بالدراسة فيها, وما أخشاه أن مثل هذه الجامعات ما هي إلا دكاكين شهادات.


 
إطبع هذه الصفحة