الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية (2 من 2)
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة الحياة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/07/1430
نص الخبر :
د.نورة خالد السعد

تحليل الدكتور طارق خليل أحمد خليل أستاذ الفيزياء النظرية من لبنان عن مدى تأثير وسائل الاتصال في تحديد الهويات الوطنية للشعوب في زمن العولمة، كان مهما لأن هذه الهويات يصعب فهمها من دون ربطها عضويا وديناميكيا بالمراكز الفكرية لأهمية المراكز الفكرية ودورها في تأطير هويات الشعوب، موضحا أن شبكات التواصل هي مرايا تعكس مفاهيم هذه المراكز على الشعوب والأمم الأخرى التي تحتمل، بدورها، أن تشكل بؤرة مقارنة لمفاهيمها بهذه المفاهيم، وأن تحلل ما تستطيعه من خير لحضارتها، وتالياً يمكنها أن تشارك في تطوير الهوية العالمية للإنسان وللطبيعة كوحدة فكرية في طور التطور، آخذة في تحديد هويتها من جديد (الانتقال من الإنسان الاستهلاكي إلى الإنسان المدافع عن الطبيعة), وساعية إلى تلقي مفاهيم الآخرين، بعدما فقدت هويتها الأصلية من خلال عدم تأسس البحث عن واقعها وتجديد رؤيتها للعالم ولموقعها فيه، ما جعلها تتحول، بركودها وجمودها، إلى مستهلك فكري بوتيرة متسارعة على إيقاعات شبكات الاتصال العالمية المطردة، حيث يعمل عديد من الباحثين في العلوم الدقيقة والعلوم الاجتماعية والإنسانيات وسواها، لإيجاد «شيفرات» مشتركة حيث يصبح ممكناً نقل التعريفات العلمية – التقنية في شتى المجالات إلى أكبر قدر من الشعوب ذات اللغات والثقافات المتنوعة.

وتساءل الدكتور طارق خليل: أين اللغة العربية، كأداة اتصال مميزة من هذه المشاركة العالمية؟ خصوصا أن العالم العربي لا ينفك، منذ قرنين، يتبع مدارس فكرية تقليدية، بدءاً من الاشتراكية الديمقراطية والشيوعية الكلاسيكية، مروراً بالرأسمالية الليبرالية, وما بعد الحديثة التي ما زالت تهيمن على أنماط حياتنا اليومية، شئنا ذلك أم أبيناه. من المؤسف عدم نجاحنا حتى الآن في إحياء الهوية العربية، التي من أركانها التواصل الفكري والاقتصادي بين مجتمعاتها وشعوبها ودولها، ومن أدوات تحقيقها وسائل الاتصال والإعلام. ثم يجيب عن سؤاله بقوله: إن ما تعانيه دول العالم الثالث – ومنها الدول العربية – حسب التصنيف الغربي للعالم، من فقدان الرؤية الموضوعية، الوضعية والمتأنية لواقعها المعيوش، جعل من وسائل الاتصال والإعلام وسيلة تُستخدم مجهرياً في التأثير في آراء المجتمعات وتغليبها على أنظمتها، وفي تغليب شعب على آخر . كما حصل من تفكيك اجتماعي للاتحاد السوفياتي السابق، وصولاً إلى أحلام «الثورة الجورجية» مروراً بانهيار الحلم الأمريكي الآخذ في التبلور أخيرا من خلال الدور الخفي للشركات العابرة للقارات التي تستخدم وسائل الاتصال لإيهام مجتمعات مختلفة بـ «ديمقراطيات» واعدة، لم تكن على الرغم من أهميتها سوى انعكاس لهيمنة الشركات، وإحياء لمفهوم «تحرير» الأسواق من كل القيود. وأوضح أيضا أن المعاهد والمؤسسات الفكرية – ولو في طور المنتديات والجمعيات الثقافية – وحدها التي تسمح مرحلياً بتكوين نخب فكرية يمكنها القيام بدور محوري في تثقيف مجتمعاتها وتحسين أداء دولها، ما دام النظام السياسي، وقلة وعي الجمهور، لا يسمحان بجعل الأكاديمية تحتل مكانها في تقرير موقع الشعب وتعيين مستقبله بين مختلف شعوب الدول الأخرى. مع ذلك، نلاحظ أن اقتناع عديد من النظم السياسية العربية بضرورة تطوير الجامعات ودعمها سيكون مؤشراً مهما على مدى إدراكها أن المؤسسات الفكرية هي الحامية الأولى لهوية شعوبها. ومثاله أن الاتحاد السوفياتي السابق، حين انهار نظامه الحزبي السياسي الأحادي وحين تغيّرت خريطته الجيوبوليتيكية (بظهور دول مختلفة، أبرزها روسيا)، إنما تواصلت فيه الجامعات ومراكز الأبحاث – رغم تأثرها الشديد بالنتائج الاقتصادية لتغير النظام السياسي – وظلت تضطلع بدور ريادي في مجالات علمية عالمية شتى، ولا سيما في المجال الفضائي، مجسدة بذلك مكانة شعوبها ورياداتها العلمية. إذاً، تفاعل المراكز البحثية والتبادل الاقتصادي وتطويرها معاً هما مؤشران أساسيان على مدى وحدة هوية البلد أو عدد من البلدان، كما هو حاصل بشكل إيجابي في عدد مطرد من دول أوروبا تحت عباءة الاتحاد الأوروبي، ويرى أن الوضع في عالمنا العربي يتمثل في علاقة المراكز الفكرية العربية فيما بينها، وإسهامها في تكوين هوية مشتركة للتنوع المحلي (المحرك المعرفي والعلمي والتقني) يسمحان لنا، على الأقل، بفهم ما يحدث عند غيرنا. واستشهد بما حدث في منتصف القرن الثالث عشر (1258) حين تعرضت الإمبراطورية العباسية لاجتياح مغولي، وكيف أن هزيمتها العسكرية المرتبطة بعوامل عديدة انعكست لاحقاً في انتصار فكري مهم، تجلى آنذاك في اعتناق المغول للديانة الإسلامية واعتمادهم الحرف العربي لكتابة كلامهم (حتى 1925) إثر تأثرهم بل انبهارهم بعمق الحضارة العربية و/ أو الإسلامية، الناتجة عن الموقع المتقدم المعطى لعلوم العصر على اختلاف تفرعاتها، وعن بروز إعلام كبار، منهم ابن سينا، ابن رشد، ابن خلدون، ابن ميمون، الخوارزمي، ابن الهيثم ... إلخ، وسط تلك الحضارة المتعددة الشعوب والأعراق والثقافات.

ثم يختم بقوله: إن معرفة الحياة بعلم تسمح بفهم تطور مسارات التجربتين العربية والأوروبية حيث نشأت في غرب أوروبا دولة عالمة / قارة فيما بقي العالم العربي بلا مفهوم موحد للأمة أو للدولة العربية المشتركة. ويبقى الإرث الفكري الضامن الحافظ لبقاء أي أمة ونهضتها بذاتها.

أما دراسة الدكتور العربي فرحاتي من جامعة باتنة في الجزائر وعنوانها «قراءة في الاتصال المعلوماتي» فتؤكد أهمية إعادة بناء الدعوة كعلم متخصص أكاديمي سيعيد لا محالة إنتاج علم الاتصال الإنساني ونمذجته في ضوء معايير إنسانية الإنسان من حيث هو مستخلف في الأرض ومتحمل للأمانة أزليا، وفي ضوء منظومة الإحسان من حيث هو ممارسة للأخلاق الربانية الكونية. وهو ما يقود إلى فتح بحوث الإنقاذ الحضاري من مأزق تصنيع وتعليب المفاهيم في أطر السوق والتسويق والترويج ومرجعية اللذة والمنفعة والسلطة. كما يفتح آفاقا بحثية في آجل الأعمال تتعلق بإعادة صياغة حقوق الإنسان والمجتمعات الثقافية وحقوق حفظ الهوية التكوينية من التشويه الخلقي (بضم الخاء) والخلقي (بكسر الخاء). فما أنتجه الإنسان من نظم اتصالية إلكترونية ملوثة غير أخلاقية وفتاكة بالآخر الضعيف والفقير لا يقل خطورة على الإنسان مما أنتجه من أسلحة الدمار الشامل وما أنتجه من النفايات السامة المضرة بالبيئة، وما أنتجه من استنساخ بيولوجي، ومن ثمة أوجب الاهتمام بحماية ثقافة الاتصال الإنساني من التلوث النفسي والاجتماعي والآلي بدرجة اهتمامنا نفسها بحماية البيئة وحقوق الإنسان في السلم والأمن، وحقوقه في الكرامة الأخلاقية والبيولوجية .

وصياغة نماذج الاتصال ضمن إطار الاستخلاف في الأرض والانتفاع بالتسخير (الكل مسخر للكل) هي صياغة لثنائية (الانفتاح والانغلاق) في الاتصال يتساوق مع فكرة العالم موجود متصل ومنفصل في آن واحد، وهو ما يمكن من إنتاج ما يدعوه مالك بن نبي بالضمير العالمي البديل المفقود في الحضارة الإمبراطورية، وهو ضمير يبعث تكريم الإنسان النوعي والوظيفي والوجودي إلى الواجهة العالمية، ويضع السلوك الاتصالي كتجربة ضمن إطار إنسانية الإنسان، فيدفعنا نحن إلى الارتقاء بسلوكنا الاتصالي وتحسين تجربتنا في التبليغ ونفع الآخر، كما يدفع السلوك الاتصالي الإمبراطوري لاكتشاف نقصه وتدنيه الأخلاقي فينحاز للتعديل. وهو ما يجعل الذات والآخر يتموقعان في الاختيار وضمن الهوية الجغرافية والمجتمعية والرمزية في آن واحد، يسمح بممارسة العدل الأزلي ومقتضيات الأخوة الإنسانية (الناس قسمات أخ في الدين وأخ في الإنسانية) فيتم إرسال الرسائل واستقبالها وفق شروط الحرية في التمثل أو التغيير والتعديل أو الرفض، ووفق معايير الخير والشر، وتتيح إجرائيا إمكانية تغيير النظم الإدراكية الدوغمائية والقوانين المعيارية الصارمة، بتبادل تعلم المعرفة والخبرة، كما يمنع في الوقت نفسه اضطراب الجدل الإنساني في الانفتاح والإغلاق وتكرار تجربة إنتاج الجماعات المغلقة . وبإبداع الضمير العالمي وتأطير الاتصال بمنظومة الأخلاق تشبع دوافع التأبيد الثقافي عند الكل وتطلق جاذبية متبادلة تقضي على فكرة رهاب الغير, وتنهي في الوقت نفسه عقدة الغالب المنتصر أو القابلية للاستعمار كما يسميها مالك بن نبي.

** هذه اختصارات لبعض ما قدم من دراسات قيمة في مؤتمر تقنيات الاتصال والتغير الاجتماعي جامعة الملك سعود قسم الإعلام في الرياض في الفترة من 17‑20/3/1430هـ ـ 14‑17/3/2009, تستحق توصياتها أن تكون أهدافا نسعى إلى تحقيقها إذا رغبنا في أن نحقق التقدم والتطور الحقيقيين في عالم حضاري لا ينمو إلا في ظل ركيزتين مهمتين هما: الإيمان ثم العلم.


 
إطبع هذه الصفحة