الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :النورس الذي اغتالوه (2)
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة عكاظ
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/07/1430
نص الخبر :

 


 
غازي عبداللطيف جمجوم
قبل ثماني سنوات كتبت في هذه الصحيفة مقالا بعنوان «النورس الذي اغتالوه»، نعيت فيه شاطئ النورس الذي كان من أجمل شواطئ جدة أو حتى ـ بدون مبالغة ـ شواطئ العالم، قبل أن يتم ردمه، وذلك بإنشاء لسان مواز للشاطئ ومتصل به، في ذلك المقال كنت أنعي منظر البحر الذي فقده أبناء جدة وزوارها ومنظر الغروب الذي كان يضفي على الأفق الواسع لوحة تفوق كل اللوحات، وكنت أنعي الرمال الناعمة التي تم ردمها، والماء النقي الذي اختفى، والنسيم العليل الذي اختلط بروائح الأكلات الشعبية ودخان السيارات، وأخيرا وليس آخرا كنت أنعي الشعاب المرجانية التي تم تدميرها بسبب المشروع وما تحويه من أسماك وكائنات عجيبة، بعضها لا يوجد إلا في البحر الأحمر. لم أكن أعلم في ذلك الوقت أن شاطئ النورس، بالإضافة إلى كل ما تعرض له من ردم وتدمير أصبح مصبا لكميات هائلة من مياه الصرف الآسنة التي غيرت خواص تربته وقضت على ما بقي فيه من حياة.
اليوم أنعي نورسا من نوع آخر: فتاة في عمر الزهور اسمها «فاطمة» تشبه طائر النورس في عشقها للبحر والتصاقها به. كانت آخر أمنيات فاطمة أن تأتي إلى شاطئ النورس لتنساب مع نسيمه وتحلق مع طيوره وتتراقص مع أمواجه، فرحة بنجاحها في الدراسة فاطمة غاصت في الوحول التي حاولت المشي فوقها معتقدة أنها رمالا كرمال البحر، ولم تدر أنها وحول غدارة خلفها الصرف، ودفعتها مياه الصرف القادمة من المصب، فذابت واختفت. البعض سموها «ضحية الواجهة البحرية» وآخرون أطلقوا عليها لقب «شهيدة الشاطئ». وهي في كل الأحوال نورس آخر يذهب دمه هدرا بسبب الجشع الذي كان وراء ردم وتأجير الشاطئ والجهل بالبيئة المتميزة للساحل ومقدار التلف الذي ينتج من إلقاء مخلفات الصرف الصحي وغيره بها.
ما الذي يمكن عمله إذا كان لدم فاطمة وكل الكنوز الأخرى التي أهدرت قيمة عندنا؟، هناك أربع خطوات عملية وممكنة:
الخطوة الأولى: إصدار نظام إدارة المناطق الساحلية الذي أقره مجلس الشورى قبل أكثر من أربع سنوات. هذا النظام يمنع ضخ مياه الصرف الصحي إلى المنطقة الساحلية أو تلويثها بأي شكل من الأشكال ويمنع ردمها أو تجريفها أو البناء فوقها، باستثناء بعض المشاريع الوطنية الهامة، ويمنع تملك الواجهة الساحلية واستحواذها، ويجعلها متاحة لعموم المواطنين كمتنزهات عامة ويحافظ على بيئتها. هذا النظام تم إعداده من قبل خبراء عالميين ورفعه من قبل الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة ثم رفعه إلى مجلس الشورى الذي أشبعه دراسة وتمحيصا قبل إقراره. وهو يعضد النظام العام للبيئة الذي يفرض على جميع الجهات الحكومية والخاصة حماية جميع البيئات في بلادنا والحفاظ عليها، بما في ذلك البيئة الساحلية. لذلك لا يمكن القول إن هذه الأنظمة نظرية ولا تتمشى مع الواقع أو إنه يصعب تطبيقها، بل إن مثلها مطبق في أغلب دول العالم. الخطوة الثانية: أن تقوم الجهات المسؤولة عن حماية البيئة، مثل الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة، ومثل الهيئة العليا للسياحة، بإلزام الجهات المعنية بالصرف الصحي سواء كانت أمانة مدينة جدة أو وزارة المياه أو شركة المياه بوقف ضخ الصرف الصحي تماما في المنطقة الساحلية خلال فترة زمنية محددة لا تزيد عن خمس سنوات، تقوم خلالها بإكمال وتشغيل العدد الكافي من محطات الصرف الصحي والصناعي، سواء بما وفرته الدولة من إمكانيات أو التعاون مع القطاع الخاص لإضافة مشاريع جديدة. وفي حالة عدم إمكانية معالجة كافة الكميات يجب البحث عن حلول أخرى مطبقة في بعض الدول، مثل بحيرات الأكسدة وغيرها. الخطوة الثالثة: هي الاستفادة من الماء المعالج في المشاريع الزراعية، سواء كان ذلك بري الحدائق البلدية أو في مشاريع زراعية تتناسب مع درجة معالجة الماء الثنائية أو الثلاثية، بحيث لا يكون هناك أي خطر صحي من استعماله. الخطوة الرابعة: هي إلزام كافة المشاريع العمرانية ببناء محطات معالجة من البداية، بحيث لا تستمر كميات مياه الصرف في التزايد وتتكرر المشكلة. ويجب التوسع في المساحات الخضراء في المدن، لأن هذه المساحات ضرورية لاستيعاب الماء المعالج. ومن المهم تطبيق الغرامات المنصوص عليها على كافة الجهات التي لا تلتزم بالأنظمة.
اغتيال شاطئ النورس في المرة الأولى كان سببا في اغتيال فاطمة.وربما ضحايا آخرون كثيرون من أبناء جدة وزوارها اعتبروا مفقودين في حوادث غرق عادية، أو آخرون تنتظرهم فواجع مختبئة لا قدر الله. وهو اغتيال مستمر لشاطئ جدة وسياحتها وجمالها.

 
إطبع هذه الصفحة