الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :وزارة التعليم العالي وإصلاح ما أفسد العطار ..
الجهة المعنية :التعليم العالي
المصدر : جريد الاقتصادية
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/08/1430
نص الخبر :

د. عبد العزيز الغدير

نعلم جميعا أن الموارد البشرية هي الثروة الحقيقية التي تمتلكها الدول إذا كان موقف قيادة هذه الدول منها موقفا يقول إن الموارد البشرية الوطنية قيمة كونها أحد أهم عناصر الإنتاج الفاعلة إذا ما تم تأهيلها التأهيل السليم الذي يتناسب مع المعطيات الحالية والمستقبلية لتغذي الأسواق لتنمو في بيئات شديدة التنافسية لترفد خزانة الدولة بالإيرادات كما هو الوضع في الدول المتقدمة، والعكس تماما إذا كان الموقف من الموارد البشرية بأنها عالة يجب على الدولة أن توفر لها الغذاء والماء والدواء والتعليم والخدمات والإسكان وغير ذلك، إذ تصبح الموارد البشرية في ظل هذا الموقف بمثابة الكارثة الحقيقية التي تثقل موازنة الدول بالتكاليف كما هو الوضع في كثير من الدول النامية.

حكومتنا الرشيدة التي ترى في الموارد البشرية الوطنية ثروة أدركت ضرورة إعادة صياغة الموارد البشرية الوطنية بعد أن أصبحت بلادنا عضوا في منظمة التجارة العالمية التي تشكل التجارة العالمية داخل إطارها أكثر من 90 في المائة من حجم التجارة العالمية، وهو ما جعل حكومتنا تسارع لتطوير التعليم بمستوياته كافة على اعتبار أنه العنصر الحاسم في عملية تأهيل مواردنا الوطنية لتكون منافسة وقادرة على اغتنام الفرص الوظيفية التي تطرحها الأسواق المحلية من ناحية، كما تكون قادرة على دفع المنشآت التي تعمل بها نحو الكفاءة في بيئات تنافسية شرسة من ناحية أخرى.

وزارة التعليم العالي، المناط بها تأهيل الموارد البشرية الوطنية بعد مرحلة التعليم العام تتحمل مسؤولية كبيرة، بل وجسيمة، كونها الوزارة المسؤولة عن تقديم الموارد البشرية الوطنية في صورتها النهائية لأسواق العمل كمخرجات متطورة ومتأهلة معرفيا ومهاريا ومنافسة للموارد البشرية الوافدة، وهو ما يجعل رؤى الوزارة وخططها ومشاريعها وبرامجها التنفيذية وإنجازاتها تحت المجهر من قبل ولاة الأمر وأولياء الأمور ومجتمع الأعمال وصناع الفكر والرأي بل ومن أفراد المجتمع كافة، خاصة أن البطالة شبح كلنا نريد الفكاك منه لما له من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية وأمنية سلبية لا تعد ولا تحصى.

كلنا يعلم أن وزارة التعليم العالي وحسب توجهات وتوجيهات حكومة خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، قامت بجهود كبيرة في السنوات القليلة الماضية لتقوم بمهمتها الحاسمة تلك على أكمل وجه، حيث أطلقت برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي لتأهيل الموارد البشرية الوطنية في محاضن عالمية تشتمل على بيئات علمية وبحثية وثقافية متقدمة تطورت عبر قرون من الزمن حتى باتت رموزا تعليمية مثل جامعتي كمبرج وهارفارد وغيرهما من الجامعات العالمية التي تتميز بجودة مخرجاتها التعليمية القادرة على التعامل بعقلية تتناسب والمعطيات العالمية.

تأهيل الموارد الوطنية محليا في بيئات علمية جيدة بل ومتميزة نال نصيبه هو الآخر حيث قامت وزارة التعليم العالي وجامعاتها بإحداث نقلة نوعية في التعليم العالي محليا برفع عدد الجامعات الحكومية إلى 21 جامعة موزعة جغرافيا حسب الكثافة السكانية بين مناطق بلادنا الثلاثة عشر لترتفع طاقاتها الاستيعابية إلى مستوى عال (250 ألف طالب سنويا) إضافة للترخيص لنحو عشر جامعات و18 كلية أهلية متميزة تدعمها الوزارة ببرنامج الابتعاث الداخلي لتؤدي دورها المنشود في تأهيل مواردنا البشرية الوطنية.

الوزارة أيضا ولكي لا يكون التوسع في القبول في جامعاتها على حساب جودة مخرجاتها التعليمية والبحثية قامت وبخط مواز بتوجيه وحث الجامعات على تعزيز قدراتها التعليمية والتثقيفية من خلال برامج التوأمة مع الجامعات العالمية، ومن خلال استقطاب الكفاءات التعليمية المميزة وتطوير البيئة التعليمية بالتزامن مع تعزيز جودة مدخلاتها بالاستفادة من نتائج امتحانات القدرات وذلك بهدف رفد الأسواق المحلية بموارد بشرية وطنية تتواءم مع متطلبات التنمية وحاجات المجتمع والسوق المحلية والذي استدعى أيضا إعادة هيكلة أكثر من مائة كلية.

والسؤال الأول الذي يدور في ذهني وهو سؤال مهم لأنه يتعلق بجودة التعليم من ناحية كما يتعلق بهيكل مخرجات التعليم العالي: هل من مصلحة المجتمع أن يتوجه 250 ألف طالب (أكثر من 90 في المائة من خريجي الثانوية العامة لهذه السنة) للتعليم الجامعي؟ أعتقد من ناحيتي أن هذا سيؤدي دون أدنى شك وعلى أقل تقدير إلى اختلال في هيكلة مخرجات التعليم العالي، على اعتبار أن السوق تتطلب مخرجات متنوعة يمكن للمعاهد ومراكز التدريب والكليات العسكرية أن توفرها؟

أما السؤال الثاني وهو الأهم: هل تصلح وزارة التعليم العالي وجامعاتها ما أفسده العطار؟ وأقصد بالعطار هنا التعليم العام الذي يلقن ويحفظ ويقتل روح التفكير والبحث والابتكار، والمجتمع الذي يغرس في أبنائنا قيما ومفاهيم تناهض العمل والإنتاج والإبداع والابتكار، وسوق العمل الذي لا يزال لا يرغب النهوض بدوره في استقطاب وتعزيز تأهيل مواردنا البشرية، بل إنه سوق ما زال معظمه يستقطب الموارد البشرية على أسس آخرها الكفاءة.

أعتقد أن وزارة التعليم وجامعاتها لن تصلح ما أفسده العطار إذا لم يقف عن إفساد مخرجاته، فالوزارة وجامعاتها مهما بذلت من جهود لن تستطيع أن تصلح الجروح العميقة التي تراكمت عبر سنين طويلة وإن أصلحت السطحي منها، وأعتقد أن علينا أن نسارع في معالجة مدخلات التعليم العالي بأسرع وقت ممكن لتكتمل العملية التأهيلية كما نريد ونحب جميعا وإلا لن ينفعنا انتقادنا لوزارة التعليم العالي وجامعاتها مهما توسعنا في الانتقاد وكررناه.


 
إطبع هذه الصفحة