الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :أعراض الإصلاح الإداري!
الجهة المعنية :التعليم العالي
المصدر : جريد الاقتصادية
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 28/08/1430
نص الخبر :
سليمان بن محمد الجريش

شهدت المملكة خلال العقود الثلاثة الماضية نقلة نوعية متقدمة في بناء المؤسسات العامة , وحركة متواصلة في مجال الإصلاح الإداري, والعمل على استكمال البنية التحتية للأنظمة وتطويرها , ونتج عن هذا توسع ملحوظ في بناء الهياكل الإدارية في مختلف الاتجاهات, وقيام مؤسسات وهيئات مستقلة أو شبه مستقلة بهدف منحها أكبر فرصة لممارسة المهام وتحقيق الأهداف من خلال المرونة في اتخاذ القرار, وعدم ارتباطه بخط سلطة طويل, وأصبحت المؤسسات والهيئات توازي عدد الجهات الرسمية أو تزيد عليها, فهل نجح هذا التوجه  في حل مشكلة ضعف الأداء, أم زادها تعقيداً؟ وهل أسهمت في الارتقاء بمستوى الخدمة والسرعة في الإنجاز, أم استمرت في الأسلوب نفسه القائم المتمثل في غياب التنسيق, ومحاولة إلقاء المسؤولية على الآخر؟

من يستعرض الواقع التطبيقي لمستوى الأداء في بعض الأجهزة يلاحظ وبصورة جلية, أن التوسع الذي تم في بناء هذه المؤسسات والهيئات وإن شكل نقلة نوعية في تطوير الإجراءات إلا أنه لم يحقق الهدف المراد منه بالصورة الصحيحة, وإنما أدى في بعض جوانبه إلى زيادة الإفراط في الرسمية, وإلى الجمود ومقاومة التغيير, والتركيز على الذات, وتحويل الوسائل إلى غايات, ونتج عن ذلك تحول بعض هذه الأجهزة إلى معالجة مشكلات ضعف الأداء بإصدار المزيد من اللوائح والتعليمات والتعاميم, حتى أن ظاهرة التعاميم تنافس العمل الإجرائي اليومي, ولم يعد الموظفون قادرين على استيعاب متطلباتها, وإيجاد الحلول المناسبة لفك الازدواج أو حالات التناقض الناشئة عنها.

وعندما بدأت ملامح هذا الوضع تظهر, كان لابد من إيجاد حلول عاجلة واتخاذ إجراءات سريعة لتلافي آثاره, فعملت الدولة على إعادة هيكلة بعض الأجهزة, وفك الارتباط عن بعضها, والاستفادة من الموارد التي تستحصلها بعض الأجهزة, من أجل تحقيق متطلبات الأداء وتوفير الاحتياجات، لكن ذلك بدلاً من كونه مساعداً للوصول إلى الحل السليم, تحول إلى مشكلة تمثلت في السيطرة على موارد هائلة دون رقابة خارجية فعالة, وأصبح هدف هذه الأجهزة زيادة أرقام وارداتها دون ربط ذلك بتحسين مستوى الأداء, وأدى هذا الوضع إلى أثر سلبي في المواطن الذي ينتظر الخدمة المقدمة, حيث تستحصل هذه الموارد أساساً منه, إما عن طريق الغرامات, أو الرسوم, أو نحو ذلك.

وعلى الرغم من كل الجهود المبذولة في سبيل الإصلاح الإداري إلا أن الجهاز الإداري يعاني عدة سلبيات تتمثل في: ضعف الإنتاجية, وتبديد الموارد, والتدني الكبير في مستوى الأداء, وعدم مبالاة المخالفين بالأنظمة, وضعف شخصية الموظف العام أمام تطبيق النظام, وعدم فعالية الرقابة, وسيادة المركزية في اتخاذ القرار, والتركيز على السرية في الإجراءات, وحصول الازدواج والتداخل في الصلاحيات, مع الإسراف الكبير في استخدام الموارد, إلى غير ذلك من الآثار الناتجة عن ضعف الكفاءات المطلوبة للقيام بالعمل, مما نتج عنه غلو واضح في التعقيدات الإدارية, وشيوع الفساد الإداري والتراخي في أداء العمل.

ولكي نقرب الصورة بشكل أوضح, لاحظوا ما يحصل في الجامعات, فعندما كانت الجامعات محدودة كانت فرص القبول أكثر, ولم يعرف المواطن وقتها أي شيء عن الرسوم , وعندما زادت أعدادها على الـ 20, وأصبح في كل منطقه جامعة أو أكثر, وتضخمت ميزانيتها أضعافاً مضاعفه, لم تستطع هذه الجامعات استيعاب هذه الأعداد المتزايدة, وبدلاً من قيامها بطرح البدائل المناسبة لمعالجة هذه المعضلة إذا ببعضها يكرس مفهوم الرتابة في الأداء. ونتج عن ذلك فتح ثغرات بيروقراطيه تتمثل في تحويل الجامعة إلى مؤسسة تهدف إلى الربح وليس الخدمة, وذلك بإيجاد قنوات للقبول عن طريق فرض رسوم عالية, والحد من مواصلة الدراسة بالانتساب, وعدم التوسع في مرحلة الدراسات العليا في الوقت الذي تدعي كل جامعة أنها تركز على الكيف وليس الكم! حتى وصل الأمر بإحدى الجامعات أن فرضت رسوماً سنوية على التدريب المخصص لموظفي الدولة بحجة تغطية النفقات, دون اعتبار لوحدة الهدف!

كذلك الحال في الجهات التي تم السماح لها باستخدام جزء من مواردها لسد متطلبات التشغيل, فرغم حصولها على نسبة عالية من إيراداتها قد تصل إلى 25 في المائة إلا أنها لم تعد قادرة على حل مشكلاتها المتزايدة, حيث تحول الجهد في معظمه إلى التركيز على زيادة الإيرادات على حساب الجوانب الأخرى التي هي أكثر أهمية, وتحولت معظم الاهتمامات والدراسات إلى اتجاه لا ينسجم مع  الأهداف, ونتج عن ذلك بذل جهود كبيرة لكن في غير محلها.

هذه الإشكالات جعلت البعض يطرح سؤلاً مهماً عن فعالية التطوير؟ ولماذا لا يكتب لها النجاح رغم ما تبذله الدولة من جهود؟

إن انخفاض إنتاجية وكفاءة العمل, وارتفاع تكلفة الخدمة, وشيوع ظاهرة الإهمال والتسيب والفساد أمر يدعو إلى إعادة النظر في الجهود المبذولة للإصلاح الإداري ومعرفة أعراضه من أجل القدرة على معالجتها, ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال أدلة عمل واقعية تعتمد أساساً على تحليل الاحتياجات الحقيقية, وتفعيل الرقابة على الأداء, وإيجاد آلية للمراجعة والتقييم المبني على معايير قياس منضبطة ودقيقة, وبما يؤدي إلى جعل العمل يسير باتجاه الهدف دون أن يكون للموظفين قدرة على تحويل مساره إلى غير هذا, وأن يدرك القائمون على هذه الأجهزة أن تحقيق الأهداف يتطلب رؤية واسعة تعتمد أساساً على أن الخدمة للجميع وأن هذا الجهاز وسيلة لتحقيق التنمية وليس عائقاً لها.

ومتى وصلنا إلى هذا المطلب نكون قد وفرنا جهداً ومالاً ووقتاً يستفاد منها في المشاركة في عملية التنمية التي تسعى الدولة بكل أجهزتها الرسمية إلى تحقيقها, وتبذل كلما في وسعها إلى القضاء على هذه الأعراض المزمنة التي تعترض سبل الإصلاح الإداري, فلنكن يداً واحدة باتجاه تحقيق الهدف.


 
إطبع هذه الصفحة