الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :قلوبنا مدن
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/08/1430
نص الخبر :



الخميس, 20 أغسطس 2009
أ.د. عبدالله مصطفى مهرجي

عرفته رجل أعمال ناجح، ولذا خبرته كثير الترحال كابن بطوط أو قريبًا منه، قابلته مؤخّرًا وقد عاد لتوّه من رحلة اصطياف عائلية خارج ربوع الوطن، فانتحينا جانبًا نتجاذب أطراف الحديث، فألفيته على غير عادته شارد الذهن مسكونًا بالأسئلة، وقبل أن أتحدّث إليه فاجأني بسؤال صارخ قائلاً هل مدننا حيّة؟ قلت مستغربًا سؤاله: وماذا تعني بذلك يا صاح؟، قال: عرفت العديد من مدن العالم المختلفة العربية والعالمية خلال رحلاتي المكوكية التي يقتضيها عملي خلال سنوات طويلة، وكنت أحرص في كل رحلة وبعد انتهاء يوم عملي أن أجلس في مقهى على شارع رئيسي في كل مدينة أو عاصمة أحتسي بعض القهوة، وأرقب عامة الناس جيئةً وذهابًا، قاطعته: وماذا في ذلك؟ وما الغرابة فيما تذكر؟ أجابني قائلاً: أكثر ما لاحظت في كل مدن العالم التي زرتها حيوية شوارعها، وديناميكة مناطق وسط البلد بها، داخلته مستغربًا: وكيف توصلت إلى هذا الاستنتاج.. أوضح يا صاحبي؟ قال: لا تخلو مدينة من مدن العالم من وجود منطقة مركزية ذات طابع معماري كلاسيكي قديم محافظ عليه بتقنيات هندسية حديثة، وتكون المنطقة مخصصة للمشاة فقط، تحتفظ بأهم معالم المنطقة القديمة التاريخية، وخصائصها المعمارية، وملامحها التجارية، ونسيجها الاجتماعي، وتراثها الفلكلوري،.. كما أن الشوارع الرئيسية القريبة من المنطقة المركزية ذات أرصفة عريضة، وممرات مظللة واسعة للمشاة الذين يزرعونها حيوية في كل اتجاه إلى أعمالهم عامرينها بالحركة المنتجة الفاعلة، استفسرت من صديقي متسائلًا بدهشة قلت: وماذا عن مدننا وشوارعنا؟! قال: انظر حولك وستعرف الجواب لو قارنته بما هو موجود مثلاً في شوارع ريئسة في العالم مثل منطقة مانهاتن أو البرودواي في نيويورك أو شارع أكسفورد في لندن أو شارع الشانزليزيه في باريس أو خان الخليلي أو حي الحسين في القاهرة أوالسوليتير في بيروت، قلت: وماذا عنها لمن لا يعرفها؟ قال: إنها أحياء وشوارع حيَّة دافقة بحركة المشاة؛ أما عندنا فشوارعنا حية عامرة ولكن ليس بالمشاة؛ بل بأطنان وأطنان من كتل الحديد الدافق المتمثّل في أرتال السيارات المختلفة التي تجوب شوارعنا على مدار الساعة، وعلى أطراف الشوارع كتل مهولة من الخرسانة المسلحة الشاهقة الارتفاع على شكل بنايات ضخمة فخمة تشق عنان السماء، صارت سمة غالبة لشوارعنا، قلت: وماذا ترمي إليه يا صديقي؟ قال: بين كتل الخرسانة المسلحة الهائلة وأرتال السيارات الدافقة ضاعت حيوية ودينامكية شوارعنا من مظاهر الناس عامة، الناس الذين يتنقلون مشاة جيئةً وذهابًا صباحًا ومساء من وإلى مكاتبهم، أعمالهم، ومنازلهم أو المقاهي الشعبية آخر النهار، وأضحت مدننا وشوارعنا تحت رحمة الجماد الأصم من الخرسانة والآلة البكماء من السيارات.
قلت: إذًا جفّت أوصال مدننا وتيبست عروقها، أعني شوارعها. قال: وأخشى أن ينتقل ذلك الجفاف إلى مشاعرنا والتيبس إلى أحاسيسنا، فكما أن قلوبنا مدن لأناس نحتفظ بهم في أعماقنا ونضمهم في حنايا صدورنا ونظل نحتويهم بمودتنا، فالمدينة نحن، ونحن المدينة التي نعيشها ونصفها بطباعنا ونصبغها بصفاتنا وتنعكس عليها صفاتنا وسلوكياتنا. قلت: ولا حل إلا أن تهتم أمانات المدن وبلديات المحافظات بمناطق وسط البلد وتعيد لها رونقها الاحتماعي والتجاري، وتعطي للمشاة حقوقهم، وتعيد تخطيط تلك المناطق كما ينبغي وبأحدث الأساليب المعمارية الحديثة، مع الاحتفاظ بطابعها التاريخي والاجتماعي التجاري القديم بدلاً من أن تظل العشوائية غالبة عليها، والعمالة الاجنبية تعمرها أكثر من أهلها. تمتم صديقي قائلاً: وحتى يحدث ذلك إنا لمنتظرون.


 
إطبع هذه الصفحة