الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :.. حتى لانكون مجتمعًا بلا قيم!
الجهة المعنية :التعليم العالي
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 29/08/1430
نص الخبر :



الخميس, 20 أغسطس 2009
فيصل سعد الجهني

تتزايد بصورة مفجعة في واقعنا المحلي العديد من الظواهر الاجتماعية المؤلمة، كالعنف الأسري وهروب الأبناء، والطلاق، وتحلل العلاقات الإنسانية إلى خيوط رفيعة واهية لا تفضي إلى صناعة شبكة جمعية قوية مترابطة، والضعف المؤكد في مخرجات التعليم العام والجامعي، إضافة إلى مشكلات القطاعات الخدمية كالماء والكهرباء ونظافة الأحياء، حتى أصبحت الدراسات والإحصاءات تشير إلى مراكز متأخرة جدًّا نحتلها بجدارة على مستوى المشهد التعليمي العالمي، مع تموضعنا التصاعدي في أحد المراكز الثلاثة الأولى المتقدمة، على مستوى العالم العربي الإسلامي فقط، في نسبة ارتفاع الجرائم الاجتماعية ومعدلات الطلاق والمشاكل الأسرية الأخرى. والحقيقة أن ثمة أسبابًا عديدة أفضت إلى ذلك المشهد الاجتماعي المتشظي لدينا، لعلني ناقشت بعضًا منها في لقاءات سابقة كالتداعيات السلبية التي أفرزتها ثنائية ترف (الطفرة) وعنت (الصحوة) معًا في مجتمع كان يمكن أن ينمو طبيعيًّا صوب التطور والارتقاء الحضاري والإنساني، ثم تناقض معطيات الخطابات المهيمنة على الذهنية الفكرية الاجتماعية المحلية، كخطابات المؤسسة الدينية والتعليمية والإعلامية والثقافية، ليتشتت (إنساننا) في زحمة وهيمنة تلك المعطيات المتناقضة، (فما تطرحه المؤسسة الدينية من فتاوى وأحكام بين الحين والآخر يقوّض العديد من مشروعية أجناس ثقافية وفنية تستميت في إثبات حقّها في الوجود والتعبير، وما تنجزه -على نطاق محدود- المؤسسة التعليمية يصطدم كثيرًا بسياجات الأعراف القبلية المتصلدة). ولسنا في حاجة اللحظة إلى إعادة مقاربة هذه الشواهد من جديد، حيث أن ثمة عاملاً مؤثرًا آخر أزعم في هذه المقاربة الجديدة أنه أفضى -مع ما سبق- إلى تلك الظواهر المؤلمة حقًّا، أو إنه كان -من جهة أخرى- نتاجًا مؤثرًا بدوره في تشكل تلك الأزمات الاجتماعية المؤرقة. لعلني أقصد: (تحلل النماذج الإنسانية الكبرى، التي ترتكز عليها البنية الجمعية الكلية دائمًا.. كالأب والأم والمواطن والمعلم والأكاديمي -نماذجًا- إلى مجرد دوال لفظية متجردة من دلالاتها وصفتها وتأثيراتها الإيجابية في النص الإنساني الكلي داخل الموسوعة الاجتماعية العامة). إذ ماذا نجني من (أب) بلا (أبوة)، و(أم) بلا (أمومة)، و(متزاوجين) بلا قيم وحقوق وواجبات دينية وإنسانية متبادلة التأثر والتأثير؟ ماذا عن (مواطن) بلا(وطنية)؟ و(أكاديمي) بلا قناعات فكرية علمية؟..حقًّا، ففي مجتمعنا باتت تتوالد هذه النماذج بخواء مطلق من قيمها ودلالاتها السامية.
لا شك أحبتي بأن ثمة فرقًا ظاهرًا بين الأم المنجبة فحسب و(قيمة) الأمومة التي تتعالق مع كثير من قيم الحب والحنان والتضحية والإيثار. فليس هناك وجود لـ(أمومة) مع (أمهات) يبقين جل أوقاتهن في المنتزهات والأسواق، وفي لجة الارتباطات الاجتماعية حتى تنتهي الأفراح والأحزان من حياتنا إلى الأبد! ليس ثمة (أمومة) لمن لا تهجس دائمًا بالارتقاء بفلذات كبدها صحيًّا وفكريًّا وتربويًّا لتظل في عالم نرجسي آخر تسكن فيه وحدها مع هواجسها المبتذلة! ليس ثمة (أمومة) مع اللاتي لا يبذلن الحنان والأمان أبدًا، في اللحظة التي ينتظرانهما عنوة تحت الأقدام! أو اللواتي لا يعبأن بهدم بيوت أبنائهن الزوجية بحجة أن زوجة أحد الأبناء لم تجئ على مواصفاتها الصارمة المستبدة! بعيدة هي قيمة (الأمومة) السامية عن (أم) استمرأت طلب الانفصال من زوجها عند كل لحظة مزاجية ساذجة بدون أدنى اعتبار لكارثة هدم بيت خالص بمن فيه من ضحايا لاذنب لهم ولا رأي. بل إن ذلك قد يحدث حقًّا، ثم لا تهتم بترك أطفالها إلى الأبد والارتهان من جديد إلى زوج آخر! (هذا ما يحدث حقًّا، وليس دائمًا بالتأكيد، بلا مبالغة أو تهويل)
كذلك هي قيمة (الأبوة) ففي واقعنا الآني ثمة آباء لا يرون أبناءهم إلا دقائق يومية معدودة، ويظنون أن في محادثتهم وملاطفتهم انتقاصًا من أبوتهم المزعومة، وأن طلب مشورتهم طعن في قدراتهم الفحولية الخالصة. في واقعنا الآني آباء مثاليون حقًّا في كل شيء ومع كل الناس سوى أبنائهم، وآباء يسكتون عن الكلام النبيل المتاح عند اللحظة التي يطلون منها على شرفات بيوتهم المنتظرة دائمًا! وآباء لا يتورعون فرحًا عن إعطاء زوجاتهم وأطفالهم إجازة عبث سنوية لفترة تمتد غالبًا لما يقارب (الأربعة) أشهر، ويا له من كرم! وآباء يأنفون مطلقًا عن الخوض في مشكلات أسرهم الملحة في اللحظة التي يحرصون فيها على تصدر مجالس القوم بحثًا وراء وجاهة مزيفة.. بالتأكيد!
وقس على ذلك نماذج إنسانية كبرى أخرى داخل مجتمعنا،فـ(المواطن) لدينا في زحمة مطالبه المتكررة بحقوقه الوطنية نسي جهلاً أو تجاهلاً حق (المواطنة) عليه، حتى أصبحنا دائمًا ما نجد أفرادًا يملأون فراغ المجالس والمنتديات والصفحات بانتقاد تردي أعمال النظافة ومطالبة تدخل المسؤولين في البلديات والأمانات بزيادة (عمال) النظافة داخل المدن والمحافظات، وهم لا يترددون في رمي أكياس نفاياتهم المنزلية المشبعة نهبًا لقطط الشوارع على (الأرصفة) أو حتى أمام أبوب المنازل، ولا يخجلون من قذف علبهم الفارغة عند كل (إشارة مرورية). ويستمر تحلل القيم الكبرى ليشمل البعض (الكثير) ممن امتهن مهنة التدريس في مدارسنا الذين لا يستحقون مع اهتماماتهم المادية فحسب، وضعف قدراتهم العلمية والتربوية أن ننصبهم على قيمتي التعليم والتربية العظيمتين، باعتبارهم أمناء خالصين لتنشئة أجيالنا المنتظرة. وبالتالي فليس كل من ينتمي إلى أعضاء هيئة التدريس في جامعاتنا -وهم ولا شك كثير- يتواطأ بوفاء مع تداعيات مفردة (الأكاديمي) المشبعة بدلالات الرصانة العلمية والموضوعية المهنجية والتفكير العلمي والقدرة على التماهي المعرفي مع حاجات المجتمع، والمجردة - بالضرورة - من تأثيرات الفكر العاطفي والذهنية الأيديولوجية المتعصبة والانحيازات العرقية البغيضة..!
هي قيم بدأت بالفعل بالتقوض والتشظي والتحلل، وعندما تغيب تمامًا مع استمرار تجاهلنا وضيق أفقنا واقتناعنا الدائم بهويتنا الخاصة المزعومة التي جعلناها من حيث ندري أو لا ندري سياجات قوية في وجه كل شاهد حضاري ملح وقيمة دينية خالصة وجنس ثقافي ينتظر فرصته في التعبير عن حاجات الإنسان الحقيقة في التطلع الدائم للحق والخير والجمال، نكون قد وقعنا في (الهامش) الكوني كمجتمع بلا قيم حقيقية (إيجابية)، ننشد ابتذالنا وعجزنا مع قول شاعرنا القديم ذات لحظة فاقدة لأية (قيمة) شعرية أخرى مرددين بفجاجة:
كأننا والماء من حولنا
قوم جلوس حولهم ماء
إلى آخر مدى.


 
إطبع هذه الصفحة