الانتقال الى المحتوى الأساسي

جامعة الملك عبدالعزيز

KING ABDULAZIZ UNIVERSITY

الملف الصحفي


عنوان الخبر :تضحيات يهود
الجهة المعنية :مقالات أعضاء هيئة التدريس
المصدر : جريدة المدينة
رابط الخبر : أضغط هنا
تاريخ الخبر : 30/08/1430
نص الخبر :
الجمعة, 21 أغسطس 2009
د. جميل محمود مغربي

الجهاد في فلسطين تحوّل إلى جهاد من ضرب جديد:
1- فئة تكافح من أجل السلطة في غزة.
2- وفئة تكافح من أجل المال في رام الله.
والضحية في كلتا الحالتين الشعب الفلسطيني المكلوم.. والقضية الفلسطينية البائسة.
وفي المقابل نجد ما قام به يهود من تخطيط، وعمل في دأب، وتضحيات منذ انعقاد مؤتمر بازل في عام 1798م، وصولا إلى استصدار وعد وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور في عام 1917بإنشاء وطن قومي لليهود، وصدور قرار التقسيم عام 1947هـ، وتطبيق قرار التقسيم في عام 1948م، وما نعرضه ونعرّفه في معجمنا السياسي بعام النكبة.
لقد عرضت أول رئاسة لجمهورية إسرائيل لأحد العناصر العاملة والمؤثرة، وهو العالم المشهور البرت اينشتاين، ولكنه رفض لأن الهدف اقتصر على الإنجاز، ولم يكن السلطة.. فأدار ظهره ليتّجه صوب معمله الفيزيائي، ويخوض رحلة أخرى مع النسبية.
واليوم ونحن ندخل رحلة انعدام الوزن بدخولنا إلى الزمن صفر، يحسن أن نلتفت إلى الكيبوتز لنرى صورًا من تضحيات يهود في سبيل أهدافهم ومخططاتهم لتحقيق هدف الجموع من خلال تفاني (الفرد) في سبيل تحقيق (المجموع)، ويسردها عبدالفتاح الديب من خلال اعترافات ضابط مخابرات إسرائيلي غادر بلده مصر في فبراير 1957م، واصطحب والدته من ميناء الاسكندرية وهي تحاول أن تثنيه عن قراره بمغادرة البلد (مصر)، التي احتضنت جسد أبيه، وتعلّم في مدارسها، وتخرج في جامعتها، والتف حوله أهلها الطيبون، حينما رحل والده عن الدنيا.
تسنّى للطفل الذي درس العربية والإنجليزية والفرنسية وهو في السابعة من عمره في عام 1933أن يجتاز نفق الفقر والمعاناة بعد موت أبيه، ودعم والدته التي كانت تحيك الملابس في شقتها من خلال عمله كمحاسب في شركة، وهو طالب في الجامعة، وبعد تخرجه في الجامعة كان يعمل في ثلاث وظائف، كان يعمل كمدرس في مدرسة الأقباط حتّى الواحدة ظهرًا، ثم يعمل بعد ذلك في مدرسة مبرة قطرة اللبن الابتدائية بشارع سليمان باشا رقم 20 حتّى الرابعة ظهرًا، ومن الرابعة حتى المساء يعمل في شركة “دانيال بنياه وشركاؤه” وهي شركة سماسرة بورصة الأوراق المالية. بعد هذه الحياة الوردية التي عاشها الجاسوس باروخ مع أسرته وخليلته فورتينيه، ونعم فيها باستقرار ووفرة مادية يتنعم كما يذكر بطبقه المفضل (الملوخية بالأرانب) انطلق نحو المجهول، ولم يكن المجهول سوى المزرعة الجماعية في إسرائيل لمجرد أنه كان يحلم بالاقتران بخليلته اليهودية التي أقنعته باتمام الزواج في إسرائيل، ثم بدأ الافتراق بينهما على ظهر الباخرة، واستلامه بطاقة الهجرة باللغة العبرية، وأخباره بأنه سينزل ووالدته في مزرعة (معجان ميخائيل) الجماعية.
وصل إلى المزرعة دون أمه، ومعه ثلاثة مهاجرين، وسكنوا حجرة خشبية ضيّقة، فيها سريران ومنضدة وكرسيان من الجريد، ولا شيء سوى ذلك. بينما افترق عن أمه التي ذهبت إلى مأوى النساء.
وتلقى تعاليم السكرتيرة بالاستيقاظ في السادسة صباحًا، حيث تقدم وجبة الإفطار ليباشروا عملهم في الحقول، وقطع الأشجار.. ويقول: إنني طيلة حياتي لم أمسك إلاَّ بالقلم وبيد فورتينيه، وكان مطلوبًا أن أقبض طيلة اليوم على (بلطة) ضخمة أشق بها الأشجار، وأقطّعها قطعًا كبيرةً وصغيرةً، وكأنني محكوم عليه بالأشغال الشاقّة. ويذكر أنهم يتناولون في الظهر وجبة غداء بارد، لم يكن اللحم يدخلها أبدًا، ثم يصف العودة في المساء: كنا نعود مكدودين.. الارهاق والتعب والضغط النفسي سحقت أجسادنا ونفسياتنا، فكنا نرتمي على الفراش كل اثنين على سرير، والصقيع يتخلل أجسادنا المنهارة، والظلام يلفنا من الخارج، فلم يكن هناك تيار كهربائي، وظلام آخر يعيش داخل نفوسنا الحزينة. ثم عمل بعد قطع الأخشاب في ري الأرض، وجمع الغذاء للمواشي، ولم يكن له خيار في انتقاء العمل، ويذكر عن أحد المهاجرين -وكان مهندسًا- أُرغم على جمع البطاطا، فاحتج! فقيل له: ليس لك هنا حق الاختيار، فأُرغم على العمل حتّى اختفى دون أن يعلموا عن مصيره، وقيل لهم إنه نُقل إلى مزرعة أخرى. ثم يذكر عن صدور الأمر بترقيتهم ليعمل في حقن الدجاج ضد الأمراض؛ لحفظ دجاج المزرعة، ورفع نسبة الإنتاج. ويعمل آخرون في المطبخ لتوزيع الوجبات، ثم أُجبروا -إضافة إلى عملهم- بأخذ دروس في تعلّم اللغة العبرية؛ لأنه كما قيل لهم من العار أن تكونوا في إسرائيل ولا تتعلمون لغتها.
ويعرّج الجاسوس باروخ على ذكر التمييز العنصري في مجتمع إسرائيل، حيث يتنعّم يهود الاشكناز القادمون من أوروبا وأمريكا، مع أن نسبتهم إلى تعداد السكان 40%، فمنهم رؤساء الأحزاب، وقيادات الجيش، والمناصب الهامة في الهستدروت (اتحاد العمال)، والوكالة اليهودية ومعظم أعضاء الكنيست، بينما يحصل يهود المشرق (السفارديم) على بقايا ما يتركه أولئك، ولا تسل عن يهود الفلاشا وسواهم. لكن هذه المعاناة التي عاناها باروخ ووالدته هي المعاناة ذاتها التي يعانيها كل يهودي ينزح من الأرض التي تقلّه؛ لينضم إلى ركب المحتلين في إسرائيل. ولم تغير على فظاظتها وسوئها من مواقفهم تجاه أمتهم بمفاهيمها اليهودية والصهيونية حينما يجني الجميع ثمار التضحية والكفاح في سبيل أهدافهم، يذكر انيس منصور في كتابه (الصابرا: الجيل الجديد في إسرائيل): (يذهب الأبوان معًا في سيارة إلى المستعمرة التي يعيش فيها الابن. وينظر الأبوان إلى أشجار البرتقال التي نمت في الصحراء.. ويُعجبان بذلك، وإلى خزانات الماء والوقود.. ويسعدان بذلك، يرون كل الشباب في ملابس واحدة، وكذلك الشابات، وكل واحد مشغول بعمله. ولو سقطت من السماء جوهرة ما التفت إليها. وإذا التفت إليها فإنه سوف يعيدها إلى الأرض؛ لأن الأرض ومن عليها، وما عليها تملكه المستعمرة، ولو أهداه والداه حذاءً فليس من الضروري أن يكون من نصيبه، ربما كان من نصيب شاب آخر أكثر صبرًا على العمل والمرارة). هل نستقي الدرس في التضحية والإيثار من أعدائنا؛ لكي لا تتهاوى عربة القضية، وتند عن مسارها في نهاية المنحنى، أم بوسعنا مع نزعة الإصرار والتشبث بالسلطة أن نلتمس تنحية كل الأطراف التي أتخمها الشبع، وأعماها الجشع؛ لنبدأ مرحلة جديدة في انتقاء قيادة جديدة محايدة، بعيدًا عن فتح وحماس، كما حدث في مفاجأة المفاوضات حينما بزغ الدكتور حيدر عبدالشافي الطبيب -رحمه الله-، والدكتورة حنان عشراوي أستاذة الأدب الإنجليزي، وثالثهما من خارج الإطار السياسي. وفلسطين لن تُعقم عن إنجاب مَن يضطلع بمسؤوليته في حماية شعبه والتفاني في سبيله، وسيشرق فجر فلسطين من خلف الدمعة.


 
إطبع هذه الصفحة